المباني العضوية فلسفة معمارية منخرطة في دورة الحياة

 

اكتسبت العمارة عبر منتجاتها لغة خاصة وسلطة متحكمة في النتاجات المعمارية. وقد كان التأثير الأكثر وضوحاً في أشكال الإنتاجات المتكاملة وتقاربها مع أشكال البيئة المحيطة بها وموادها الخام، بقصد التوقف عند حالة التوازن في تفاعل القوى الداخلية والخارجية لإنتاج الشكل. على اعتبار إن الأشكال العضوية تعبر عن حالة التوازن في مجموع القوى المكونة لها.

ارتبط مفهوم العضوي دائماً بالطبيعة أو بكل ما يدبّ وينبض بالحياة في عالمنا المحيط. وربما تأخذ دلالاتها منحى أبعد وتعني المنظومة التي تشكل الكلّ وتتكامل بوظائف الجميع. ثم نجدها تردُ في العمارة كأسلوب وكمدرسة فكرية آثرت أن تكون متناغمة مع البيئة والطبيعة لتتجانس مع عناصرها وتكمل انسجامَها وتوازنهَا.

لقد وردت كل معاني العضوية في عمارتها (العمارة العضوية) وتفاعل فيها الإنسان مع مفردات الطبيعة ومعطياتها ومن خلال حواره معها استفاد من واقعها في البدء عندما كان لابد من استعمال ما هو موجود وأثبت جدارة متميزة عندما توصل إلى سبر فطرة الطبيعة والمادة ليثبت عمليًّا حقيقة التطوّر ومفهومه الصحيح.

ولفهم "دورة حياة البناء" استدعيتُ البناءات التقليدية (الواحية) نموذجاً لبسط الفكرة طرحاً وتحليلاً. لقد دعت البناءات التقليدية خامات الأرض والواحة فكانت منتوجاً لمجالها الطّبيعي.  لعلّ المسكن هيكلا ً لا يتجزٌأ من الطٌبيعة وهي التي تُشكّلُ صورته النّهائيّة. بناء يتقاسم المجال مع الواحة ليستحيل أحد مُكوّناتها، فكأنّني بالمساكن قد نبتت من الأرض، وانبثقت من أرض الواحات، كما نبتت الأشجار منها، وتشكلت على سطحها شاهقات النخيل.

افترشت مساكننا أرض الواحة. احتمت بخامات الأرض ونخيلها، ليكون المجال الطبيعي مَحْمَلاً لها، وتستحيل المواد الخام والأوّلية دِثاراً. يحتمي الفرد كما المجموعة من الطّبيعة بالطّبيعة بحيث، يتفاعل البناء مع مجاله فيُلازمه، يتطوّرُ وينمو بتطوّره ونُموّه ليكون التّجديد، أو لعلّه التّجاوز، نتاجًا لمفهوم هذا التّفاعل.

بناءات في مجالها لم تأخذ بعد شكلها النّهائي، بمعنى وكأننا بها لا تزال في مرحلة الإنجاز. عمارة ناشئة كما هي النخلة وأشجار الزيتون.. كما هو العنصر الحي.. أجدُني أمام عمارة لا تُبنى بل تنمو، تنبُت الدّار فيها لينهل البناء من الطٌبيعة خصائصها، ألوانها وحتّى تقلّباتها. إنّ التّحاور المباشر مع الطٌبيعة يجعل من البناءات عنصرًا ينمو بها ويحيا منها.

"هاهنا علينا التطلع عن قرب. علامة الإنسان وعلامة الطبيعة مجتمعتان. إنه القانون الحكم". قانون المشاركة والتبادل وربما الطاعة والانصياع فالإنسان كما يقول بيكون "لا يظفر بالطبيعة إلاّ حينما يمتثل لها". بناءات تُشارك المجال لتكون ضمن منظومة التبادل الدائم مع الطبيعة، هي دورة، الكلّ فعل كما الكُلّ فاعل وفيها الكلّ مفعول به. فما هي مقوّمات هذه الدّورة؟

كما للطبيعة: للبناء دورة حياة بحيث يتبلورُ بموجبها البناء على مراحل وبنسق تطوّري. وإذا ما أردنا سياقة "دورة حياة البناء" فسيكون بتتبّع نسق نموّ البناية، بمعنى تتبّع مراحل تطوّرها.

في نسق متتابع، تقومُ الدّورة على تفاعُل عدّة عناصر من مكوّنات طبيعيّة مُؤثرات خارجيّة. كأيٌ بناء يكون المنطلق أرضيّة كما جاء في "قوانين التشكل" لبيلمُون الذي يُقسّمُ قانونه إلى أربعة مجالات بحث: "الموقع، الوظيفة، البناء وفعلُ التّأثّر." يُعدّ المجال الواحي محمل البناءات، هو حاضن المساكن وحاميها ولعلّه الموقع الأنسب لإنشائها. موقع ومناخ دفعتا بالمساكن إلى اتخاذ منحى مُعيّن في التّشييد، فعنصر المناخ في علاقته بالمعمار عامّة يكون عُنصرًا مُؤثٌرًا ومُؤثٌرًا. بمعنى، يكون مُؤثٌرًا في تحكّمه بالمواد الأوّليّة نظراً لمحدُوديّتها. ومُؤثٌرًا عليه، نستشفّه من قدرة سكّان الواحة على التّأقلُم مع المؤثٌرات الخارجيّة (المناخ خاصّة) وتجاوز المُعيقات (قساوة هذا المناخ)، يعكسُه حُسنُ الإنشاء والبناء ولعلّ الإقليم هو ما يُحدّد طراز العمارة نظرا لأنّ المسكن أصلاً هو ملجا من عوارض الطٌبيعة.

توازيًا مع الموقع تكون المواد الأوّليّة، فالبناءات غالبًا ما تقتصرُ المواد المُستخدمة على ما تُوفّره الطٌبيعة من حجارة وتُربة وخشب نخيل. مواد لا تتجاوز تلك التي يمتلكها الموقع. إنّ بتوفّر هذه المُعطيات التي تُعتبر من الأولويّات يكون التّوظيف، والمقصودُ بالتّوظيف في هكذا مرحلة هو فعلُ البناء والتّشييد. هو التّأليف بين المواد وإيجاد التّوافق والانسجام الهادفين.

أقيمت البناءاتُ لتُسكن أي لتُستهلك وعلى امتداد عمليّة الاستهلاك فإنّ المسكن سيفقدُ بعضًا من ملامحه كتشقّق جدار أو إنخمار حائط لنكون في مرحلة التّداعي أو هو التّراجع. إنّ التّداعي يستوجبُ المُعالجة، والإصلاح سيتمّ بإعادة التّركيب انطلاقاً من أرضيّة ومواد أوّليّة غالبًا ما تكونُ قد استخدمت سابقاً. وبيئة المسكن هي المكان الذي تتوافر فيه جميع الشّروط المناسبة لنموّه، لتطوّره، لاستمراره، ولعلّ من أولويّات التّوازن لقيام واستمرار هذا الوجود من نموّ وتطوّر، وجود قانون المنفعة المتبادلة من سكن ومواد.

تعدّ البيئة العمرانية مجال متحرّك ديناميكي، وهي ليست بكيانات ثابتة، وإنّ كلّ مكوّن لها يمرّ بالعديد من التغييرات المادية أثناء دورة حياته، وبالتبعية فإن مستخدمي البيئة العمرانية يمارسون ِأنشطة التغيير والتطوير فيها، وذلك بِإضافة وتقسيم فراغاتهم المعيشية وتغيير واجهات مبانيهم، أو تعديد وظائف واستخدامات هذه المباني التي غالباً ما تواكب احتياجات ديناميكية متباينة للمستعملين. لعلّ دورة البناء الكلّ فيها فاعلٌ كما الكُلّ مفعول به تقوم على التسلسل والتّتابع، لكن مخالفة القانون قد تُؤدّي إلى اختلال التّوازن.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي