المشاعر المقدسة أفكار حول تطوير الفراغ الحضري

 

تبذل حكومتنا الرشيدة مجهودات كبيرة لخدمة حجاج بيت الله والمشاعر المقدسة في مكة المكرمة شرفها الله والمدينة المنورة حباها الله. فما نشاهده كل سنة من تنظيم وإدارة وخدمة يمثل وسام فخر لكل المسلمين وعلى رأسهم أبناء الوطن. فالمشاعر المقدسة تشكل جزء كبير من وجدان المسلمين، كونها مكان يمثل الكثير من التاريخ الإسلامي منذ فجره وحتى يومنا هذا. لعل هذا ما دفعنا لأن نتناول موضوع المشاعر المقدسة من زاوية أخرى رغم حساسيته، والتي تتمثل في الفراغ الحضري لهذه الأماكن. لا نقصد المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، ولكن نقصد الفراغ الخارجي للمناطق المقدسة الأخرى، كعرفات ومنى ومزدلفة. والتي تمثل نقطة محورية في مسيرة التكوين الفراغي لمدينة مكة المكرمة شرفها الله. فهل يمكن تناول هذه المناطق من زاوية عمرانية ترتبط بالفراغ الخارجي وأنشطة المدينة؟ أم أن قدسية هذه المكان تستوجب عدم التوسع أكثر في إطارها الوظيفي لخدمة حجاج بيت الله؟

 

ازدواجية الاستخدام:

قد يغيب عن الكثير واقع هذه المشاعر المقدسة طوال السنة، بعد أن يتم حجاج بيت الله مناسكهم. كثيراً ما ترتبط الصورة الذهنية لهذه الأماكن بعدد من الأوصاف، كالروحانية أو اللقاء أو حتى الزحام. إلا أننا لا نستحضر تلك الأماكن في أوقات السنة العادية. يختلف الأمر بالنسبة لسكان مدينة مكة المكرمة، فهذه الأماكن تمثل لشريحة منهم، متنفس واسع وكبير للخروج عن نمط المدينة التي تزدحم يوماً بعد يوم. هذا النشاط لا يمكن الحكم عليه بأنه نشاط كلي لمجتمع مكة المكرمة، إلا أن يظل نشاط يعكس تطلع فئة نحو ممارسة النشاط الخارجي.

هذه الازدواجية في الاستخدام، تجعلنا نتساءل حول ما إذا كان بالإمكان الاستفادة من هذه المناطق لتأدية عدد من الاستخدامات طوال السنة، بما يتناسب مع وظيفة ونشاط كل استخدام وبما لا يخرج عن حدود أو إطارات الجانب الشرعي داخل هذه المناطق، وما يترتب على ذلك.

قد يكون السؤال الأهم في هذا السياق، هو كيف يمكن إيجاد مقترحات تخدم هذه الازدواجية، نقصد أن تخدم التوجهات الخاصة بإدارة وخدمة الحشود أثناء فترة الحج، وبنفس الوقت يمكن إعادة استغلالها ولو جزئياً كفراغ يخدم أهالي وسكان المدينة نفسها.

في الحقيقة هناك الكثير من الآراء والمقترحات المطروحة من قبل عدد من المخططين والمعماريين بل وحتى من أبناء المجتمع، وتحديداً المجتمع المكي، الذي عادة ما يشغل تفكيره تطوير الخدمات والفراغات والأماكن لقبلة المسلمين. بعض هذه الأفكار أخذ نوع من الإجراءات التي تحولت إلى واقع ملموس، وبعضها لا يزال يراود أصحابها كمبادرة يمكن جدولتها ضمن خطط المشاريع التي تعمل عليها الحكومة لتطوير المنطقة.

ما يهمنا في هذا الجانب، هو الزاوية العمرانية للفراغ الخارجي، وكيف يمكن أن يكون هناك خطوط عريضة يمكن الانطلاق منها نحو مقترحات أكثر دقة، بعض هذه الخطوط يمكن تناولها على النحو التالي:

 

أولاً: تعزيز الجانب الأخضر

قد يكون التشجير من أولى المبادرات الممكنة في هذه المناطق، لعدة أسباب أهمها هو المناخ الحار والجاف لمكة المكرمة. فوجود العنصر الأخضر قد يساهم بشكل كبير في تخفيف حدة أشعة الشمس وإيجاد مناطق مظللة بشكل مكثف وواسع، بالإضافة إلى الدور البيئي الذي تقوم به عملية التشجير. وعلى الرغم من الإعلان مؤخراً حول دعم الشركة الوطنية للمياه لتشجير المشاعر المقدسة في مكة المكرمة بمياه معالجة وبكمية تصل إلى (27) ألف م3 يومياً حسب ما تم الإشارة إليه في الصحف المحلية خلال الشهر المنصرم. إلا أن موضوع التشجير يتجاوز مسألة التوفير للمياه والشجر - رغم أهميتها – إلى طريقة تخطيط وتصميم التشجير نفسه، والأهداف المراد تحقيقها من خلال هذا العمل المكلف والكبير جداً. وهو ما يستدعي الاستعانة بمعماريو البيئة والذين يعتبرون متخصصين في هذا المجال بشكل دقيق، وذلك بهدف للخروج بأفضل النتائج الممكنة والتي يمكن أن تخدم الفراغ الحضري لمنطقة المشاعر المقدسة خلال فترة الحج وكذلك فترات السنة الأخرى كفراغ خارجي لسكان المدينة.

 

ثانياً: مسارات الحركة والمواد المستخدمة

تسعى الجهات القائمة على إدارة الحج إلى تنظيم مسارات الحركة في منطقة المشاعر المقدسة، من خلال خطط مرورية أثبتت نجاحها خلال السنوات الماضية. فقضية إدارة الحشود لا تعد من القضايا السهلة، بل ترتبط بالكثير من العوامل والمتغيرات التي يجب التنبه لها. قد يكون طرح فكرة اختيار المواد لهذه المسارات أحد الحلول الممكنة في تعزيز عملية الفصل، وأيضاً في تخفيف الأثر المناخي والبيئي للمنطقة نفسها. فالمواد الخرسانية والأسفلت على سبيل المثال، لا تعد فعّالة بشكل كبير إذا ما تم مقارنتها بمواد أخرى تتناسب مع عمليات الرصف للمشاة. ومع ذلك تظل الإشكالية في عملية اتخاذ القرار بالاستبدال مرهونة بعوامل أخرى كالتخريب أو عدم المحافظة، والتي تعد من أكثر المشاكل تكلفة من حيث الصيانة إذا ما تحدثنا عن تطوير الفراغ العام. ومع ذلك فهذا لا يمنع التفكير مستقبلاً في توظيف مواد محلية لتنفيذ هذه الأعمال، كالأحجار والتي يمكن معالجتها بطرق مختلفة لتنفيذ أعمال مختلفة تتعلق بالرصف والفراغ الخارجي.

هذا التوجه يمكن استثماره بطريقة تنموية لدعم المصانع المحلية وتعزيز مفهوم التوطين والحرف المحلية، وهو ما سيكون مناسب أيضاً للتأكيد والتعزيز على الهوية المحلية لهذه المناطق وترسيخها ضمن نقاط القوة لتوجهات السياحة الدينية كما يعزم التوجه إليها.

 

 

ثالثاً: السياحة الدينية

قد يكون هناك اختلافات حول تعريف مفهوم السياحة الدينية لدينا، فهذا المصطلح ارتبط بالأماكن المقدسة والتاريخ والسياحة في الثقافات حول العالم، وهناك عدد من التجارب الناجحة في هذا التوجه أو المجال. إلا أنه لا يزال ضبابياً لدينا من حيث التطبيق على أرض الواقع ولعدد من الأسباب التي ليس هناك مجال للخوض في تفاصيلها. ما يهم في هذا السياق هو توظيف عمارة البيئة لتحقيق هذا الفصل بين ما هو مقدس كرمز وبين ما يمكن إعادة توظيفه أو استخدامه بشكل جزئي. هذا المدخل قد يمكن من خلاله تحديد خطوط التماس في المشاعر المقدسة، وعلاقتها بالفراغ الحضري للمدينة بشكل عام. ينطبق هذا المدخل على التراث أو التاريخ، فالمشاعر المقدسة رغم مكانتها الدينية إلا أن لها جانب تاريخي في حياة المسلمين، وعملية تحديد مسارات ثانوية على سبيل المثال للتعريف بالمناطق أو لتحقيق أغراض لتعزيز الجانب الديني للجاليات قبل أو بعد فترات الحج سيكون بمثابة مدخل جيد نحو تحقيق سياحة دينية دون الإخلال بالضوابط الشرعية.

 

رابعاً: الطاقة الشمسية

مع بداية التوجه نحو توظيف الطاقة الشمسية بالمملكة العربية السعودية، وما تم الإعلان عنه مؤخراً للتعاون في مجالات الطاقة الشمسية، قد يكون من المجدي التفكير في تشغيل المشاعر المقدسة بتقنية الطاقة الشمسية، وتقليل تكاليف التشغيل على المدى الطويل. هذا التوجه سيخدم عمليات التشغيل ولو في إطار جزئي وبكفاءة عالية. خصوصاً أن المناخ في هذه المناطق يساعد بشكل كبير على توليد الطاقة من خلال توفر أشعة الشمس في أغلب فترات السنة. قد تكون الإشكالية الكبرى في هذا المجال هو زيادة معدلات الغبار والأتربة في فصول السنة، ومالها من أثار قد تعيق عمليات التوليد بالكفاءة المطلوبة. لعل هذا ما يتطلب أيضاً دراسة الموقع الخارجي وتحديد اتجاهات الرياح والمناطق المناسبة تمهيداً لحمايتها بالطرق البيئية ومن ثم البدء في تنفيذ أعمال توليد الطاقة الشمسية.

 

خامساً: إعادة التدوير

لا شك أن الكميات المستهلكة من المياه والمنتجات في فترة الحج تعد كبيرة جداً، هذه المصادر يمكن إعادة تدويرها لتحقيق أغراض أخرى تخدم المنطقة، سواء من خلال عمليات إدارة المياه والصرف، أو حتى من خلال إيجاد خطوط لإعادة تدوير المواد البلاستيكية.

 

ما طرح هو مجرد أفكار للتطوير، وهي ليست أفكار جديدة أو مبتكرة، بل تم طرحها بأشكال ومسارات مختلفة. ومع ذلك تبقى أفكار ومقترحات تحت مظلة لقناعة مطلوبة وهي إسناد أو لنقل تمكين معماريو البيئة من الفراغ الحضري للمشاعر المقدسة لطرح أفكارهم ورؤيتهم نحو إمكانية التطوير والتحسين بما يحقق أهداف مزدوجة ومتنوعة. هذا التمكين هو العائق الأساس أمام فاعلية مهنة عمارة البيئة لدينا، ليس في المشاعر المقدسة وحسب بل في الفراغ الخارجي لمدننا عموماً. وهو برأينا السبب عن قلة كفاءة الفراغ الخارجي وعدم استغلاله بالشكل الصحيح، الأمر الذي يفوت علينا الكثير من الفرص التي يمكن أن تساهم في تحسين أنشطتنا على اختلافها.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الرابع للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي