تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

المسكن المخفي ذوبان العمارة لتأكيد المشهد

 

يمثل هذا المسكن نوع من التجرد للغرور المعماري إن صح الوصف، فهو يتماشى مع معايير ما يعرف بالعمارة الغير مرئية، حيث لا حضور للعمارة بشكلها المستقل، بل تحاول الاندماج مع المحيط كجزء منه. ومع ذلك فهي لا تتجرد من وظيفتها وأهدافها الأساسية، بل العكس تحاول التأكيد على تلك المفاهيم التي تعزز من جودة البيئة المعيشية والوجدان الإنساني وعلاقتها بالفراغ المحيط. في هذا العدد سنحاول الوقوف فعلياً على هذا المشروع، كأحد النماذج المعاصرة للعمارة الغير مرئية، في محاولة لتفسير هذا التوجه عملياً.

 

تبدو السمة الأساسية لهذا المبنى في الموقع الخلاب الذي يقف عليه على تلال النمسا. حيث يبدوا المبنى أقرب للسماء من الأرض. هذا الموقع دفع المصمم نحو اقتراح فكرة التكامل بين العمارة والموقع، ليس من حيث ملائمة الطبوغرافية او استخدام المواد المحلية وحسب، بل من حيث استمرارية المشهد البصري الخلاب من خلال انعكاس الواجهات الزجاجية للمحيط، وهو ما جعل المبنى يختفي جزئياً ضمن زاوية النظر لأي زائر أو مشاهد.

المسكن البسيط ذو الشكل المستطيل، تم تنفيذه من الأخشاب المتوفرة في الموقع، كأسلوب أعمق نحو التكامل، إلا أن التصميم البسيط جداً للفراغ الداخلي، يعكس مدى الرغبة للعيش ضمن نطاق الاحتياج، دون أن تتكلف العمارة عناء المبالغة في الفراغ أو حتى في النشاط. لعل هذا السبب وراء بساطة الفراغ الداخلي وخلوه من الإضافات.

قد تكون هذه القرارات وراء الرغبة في قضاء وقت للخلوة وتصفية الذهن من تراكم المدنية الحديثة وصخبها، والتفاعل أكثر من ناحية إنسانية مع الطبيعة. إلا أن السؤال المطروح في هذا السياق: هل يمكن اعتماد هذا التوجه ضمن الحياة اليومية؟ نقصد الحياة بصخبها الذي تعودنا عليه في المدن، حيث لا يمكن التكامل مع الطبيعة؟

 

 

على مستوى المسقط الأفقي، تفصل المعيشة الفراغ نحو جزئيين، الأول خصص للخدمات والمطبخ ودورة المياه بالإضافة إلى المدخل الأساسي من الخلف، أما الجزء الأخر فخصص لغرفة النوم. إلا أن تعامل المصمم مع المصمت والشفاف يعكس الكثير من الحوارات التصميمية أثناء عملية التصميم نفسها. فالحائط الخلفي المصمت والزجاجي المواجه له، يعكس أن المبنى رغم استطالته يتبع نوع من التوجه، حيث تطل منطقة المعيشة على المدينة من أعلى التل. كذلك هو الأمر بالنسبة لغرفة النوم، مع معالجة لمساحة النافذة بغرض توفير الخصوصية. فالهدف هو التكامل مع الطبيعة وفق الاحتياج الإنساني الطبيعي، وهنا يكمن سر هذا التوجه في إدارة قرارات وفلسفة التصميم.

يمتد المسكن نحو الخارج من خلال منصة أمامية تأتي كامتداد خارجي لغرفة المعيشة والنشاطات الخارجية، وهي تتميز بنفس مميزات زاوية الإطلالة على المدينة والسماء والأفق في نفس الوقت. حيث تختلف المشاهد باختلاف الفصول السنوية وتختلف أيضاً الأنشطة.

قد يكون من السهل على البعض تصنيف هذا الاتجاه ضمن مفهوم (البساطة) أو القليلة (minimalism)، ربما يمكننا ذلك. فنواة هذه التوجهات تشترك في إيجاد معني خفي وراء أسلوب الحياة أو العيش، وبالتالي تسخير كل ما هو حولنا لتحقيق هذه الرؤية أو هذا المعنى.

 

الأمر الأخر في هذا المشروع، والمهم من حيث مفهوم العمارة الغير مرئية، هو أن هذا المشروع يصنف من المشاريع الجاهزة والتي يمكن تصنيعها مسبقاً ومن ثم تركيبها بالموقع! ليس ذلك وحسب، بل يمكن فكها وإعادة تركيبها في مكان آخر. وهذه ميزة أخرى للعمارة الغير مرئية وأثرها الإيجابي على البيئة المحيطة. فعلى الرغم من ملائمة هذا المشروع للمكان، إلا أن التصميم لم يكن مخصص للموقع نفسه، وهو ما يؤكد مفهوم أن العمارة يجب أن لا تكون رمزية، بقدر ما يجب أن تكون منسجمة.

يبلغ أبعاد هذا المسكن (14.5×3.5)م ويمكن نقله بسهولة بواسطة شاحنة نقل. أيضاً فكرة ألواح الخشب الداخلية (الأبلكاش) تم إعدادها كخيار أساسي للمستخدمين، والتي تمكنهم من صناعة المكان الذي يتناسب معهم تدريجياً، سواء من خلال إضافة الألوان أو ورق الجدران أو حتى إضافة اللوحات الفنية والصور. فالفكرة هي بناء فراغ يتماشى مع رغبة واحتياج المستخدمين دون أن يكون ذلك متعارض مع الطبيعة نفسها أو حتى يحتل جزء منها. وهذا هو لب فلسفة العمارة الغير مرئية.

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الرابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر