تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

العمارة الغير مرئية البناء لمزيد من الانسجام مع المحيط

 

يقول بيتر كاومان بأن (حقيقة العمارة أكثر بكثير من البناء المادي لها). ويوضح الفكرة وراء هذه الرؤية، بأن للعمارة جانب آخر أكثر حيوية ولكنه (غير مرئي) يجعل العمارة مرتبطة بالمحيط كجزء منه وليس كإضافة إليه. بدأ عدد من المعماريين مؤخراً في تداول مصطلح العمارة الغير مرئية بشكل كبير، كنوع من التوجه نحو تحقيق بُعد جديد للاستدامة، يتجاوز عملية (التكيّف) مع الطبيعة إلى (الانسجام) كجزء منها. ليس من حيث الشكل أو الاداء وحسب، ولكن أيضاً كفراغ يتم من خلاله ممارسة النشاطات الإنسانية على اختلافها، والتي تعود أو ترتبط بشكل أو بآخر مع المحيط الواسع.

لكن ما الذي يعنيه هذا التوجه؟ أو بعبارة أخرى، ما الفرق بين أن تكون عمارتنا (متكيّفة) مع المحيط وبين أن تكون (منسجمة) معه؟ في هذا العدد من آفاق معمارية، سنحاول أن نسلط بعض الضوء على هذه الجزئية البسيطة في الفكر المستدام.

 

العمارة بعيون واسعة

يتطلب تناول موضوع العمارة الغير مرئية العودة للوراء قليلاً بهدف رؤية الصورة العامة لمفهوم العمارة، فأصحاب هذا التوجه يرون أن هناك (خلل) قد حدث في ماهية العمارة خلال حقبات زمنية مختلفة، أدى إلى تشوهها وخروجها من المسار. هذا الخلل يكمن في تغير مفهوم العمارة من حيث كونها فراغ أو مأوى مكمل لحياة البشرية، إلى مكون مادي محسوس ضمن المحيط. الأمر الذي انعكس على العمارة بشكل كبير ليتم تقسيمها وفق عدد من المجالات المتخصصة والمستقلة في بعض الأحيان. فمثلاً نحن نتناول العمارة كمباني ضمن مفاهيم البناء والتشييد، وكفراغات في إطار التصميم الداخلي، وكأداء ضمن معايير التشغيل والصيانة، هذه الاختلافات لا تصب في مصلحة الجدوى أو المغزى من وجود العمارة نفسها، وبالتالي يمكن وصفها على أنها تعاني من خلل في تفسيرها الحقيقي.

يرى الكثير من المنظرين والمفكرين أن السبب وراء مادية العمارة، يكمن في التطور الصناعي الذي حصل في تاريخ البشرية، ودخول المكينة في حياة الإنسان كعامل أساسي للبقاء أو العيش. ولعل رواية (مدن لا مرئية) للكاتب الإيطالي (إيتاليو كالفينيو) في عام (1972م) أحد أشهر النماذج حول مفهوم العمارة الغير مرئية.

 

الوجه الآخر للحداثة

يرى الكثير من المنظرين أن الحداثة في القرن العشرين، لم تكن كما كان يظن روادها آنذاك. ولا يقتصر الأمر على فكر ما بعد الحداثة والذي ظهر بعد منتصف القرن العشرين، بل يمتد هذا الرأي إلى يومنا هذا، بعد ما أصبح واضح للعيان مدى تأثير أفكار عمارة الحداثة على حياة الإنسان والمحيط على حد سواء. لكن السؤال الأهم في هذا السياق، هل فعلاً انتهت الحداثة؟ قد يكون الجواب بنعم للوهلة الأولى! إلا أنه لا يمكن الجزم بذلك، إذا ما أخذنا البعد الخفي للحداثة والمتمثل في (التكنولوجيا). فهل انتهت التكنولوجيا بانتهاء الحداثة؟

من هذه الزاوية يناقش أصحاب فكرة العمارة الغير مرئية مفهوم (الانسجام) في مقابل (التكيّف). فالعمارة التي تعتمد على التكنولوجيا بكل ما فيها من تطور هي عمارة (متكيّفة) مع المحيط، ولا يعني ذلك أنها سيئة أو غير مجديه! بل يعني ذلك أنها تحاول أن تجد مكان ضمن المحيط. بينما يختلف الأمر بالنسبة للانسجام مع المحيط، والذي عادة ما يكون جزء من المحيط دون أن يكون هناك فرض.

لعل ذلك يفسر بعض المباني التي نراها اليوم، والتي يتم تصنيفها على أنها متوافقة مع البيئة أو تعتبر مباني مستدامة، رغم أنها قد تظهر بشكل عصري وتقني سواء من حيث التكوين أو حتى المواد والأنظمة المستخدمة. إلا أننا قد نشعر بشيء من الغرابة تجاهها أو حتى عدم القبول لسبب قد لا يكون مفهوماً أو حتى مبرراً. وربما صنفناها على أنها غير متوافقة أو منسجمة مع هوية المكان، إلا أن ذلك لا يمنع من أنها جيدة من حيث الأداء البيئي.

هذا الشعور بعدم الرضى أو التناقض –إن صح القول- هو (الخلل) الناتج عن تغير المفهوم في العمارة خلال السنوات الماضية، ولذلك يفسر أصحاب هذا التوجه العمارة بالإنسان، من حيث الجسد والحواس، أو المرئي والغير مرئي.

 

الجسد، الحواس والعمارة

الناس لديهم أجسام مادية تحيط بعالم داخلي يتكون من تطلعاتهم وأحلامهم وأفكارهم. ورغم أننا نشعر بهذه الجوانب إلا أنها تظل (غير مرئية) ومستتره وراء أجسادنا. فهل يمكن أن تحكم على شخص بأنه يشعر بالسعادة لأنه وسيم مثلاً، وهل يمكن أن نقول بأن شخص لا يملك أحلاماً كبرى لأنه سمين أو قصير! كذلك هو الأمر بالنسبة للمباني أو العمارة، فالمظهر الخارجي لها ما هو إلا جسد تستتر خلفه عدد من الجوانب الغير مرئية، ولكنها تلعب دور كبير جداً في حقيقتها. ولذلك نحن نختبر هذا الجانب من العمارة من خلال حواسنا، سواء من خلال الفراغ العام المكون للمدينة أو من خلال الفراغ الخاص أو الداخلي المكون للعمارة نفسها. فالرؤية والملمس والصوت والرائحة كلها عناصر تساهم في شرح الجانب الغير مرئي من العمارة.

ربما لهذا السبب نحن نشعر بالحنين لمنازلنا ومدننا بشكل متفاوت، وبحسب الخبرات والذكريات التي نكونها عن ذلك الفراغ وعمارته على الرغم أنها قد لا تكون جميلة أو كاملة من حيث المظهر الخارجي. وهنا تكمن إشكالية أخرى تتعلق بالحكم على العمارة بأنها جيدة أو سيئة، فمتى يمكنك القول أو الحكم بأن هذا المبنى جيد أم سيء؟ هل إذا توفرت فيه شروط أو معايير محددة؟ هل إذا كان ملائم؟ وملائم لأي فئة؟ هذا السؤال مثّل تحدي لكثير من المنظرين في محاولة لإيجاد إجابة محددة، ومع ذلك لا تزال جميع هذه المحاولات مجرد أراء فكرية.

 

 

المعماري: الحلقة الأضعف

كثيراً ما يتم إلقاء اللوم على المعماريين إذا ما وصل الحديث للانسجام، فالصورة الذهنية المسبقة عن المعماري لدى الآخرين تضعه في زاوية الباحث عن المجد، كأي فنان آخر يحاول صناعة شيء جديد ومختلف يرمز له. إلا أن هذه الرغبة تعد أكثر خطورة من لوحة فنان أو رواية لأديب، فالمسألة هنا تتعلق بحياة أشخاص آخرين يفترض بهم أن يتفاعلوا مع هذا المنتج أو العمل كما أراد المعماري له أن يكون. وبالرغم من محاولات المعماريين نحو الوصول إلى نقطة توازن تجمع ما بين مفهوم العمارة بجانبيها المرئي والغير مرئي وبين التميز الشخصي للمعماري نفسه، نجد الكثير من الإخفاقات من حولنا على أرض الواقع وقليل من النجاحات.

يُستثنى من ذلك بعض رواد العمارة، واللذين تنبهوا لهذا الجانب ليتمكنوا من دمج عمارتهم مع المحيط، يظهر ذلك بوضوح على سبيل المثال في (فيلا الشلالات المتساقطة) لفرانك لويد رايت، والذي يختلف الشعور تجاه ذلك العمل على الواقع في ظل صوت الشلال المصاحب كجزء من التصميم. أو المنزل الزجاجي لفليب جونسون من خلال حوائطه الشفافة والمتصلة مع الموقع كجزء منه. ومع ذلك لا تقارن هذه الأعمال رغم المحاولات الكامنة ورائها بأعمال أكثر بساطة، كتلك التي تنتج عن المستخدمين أنفسهم كما في العمارة العامية (Vernacular architecture) أو التقليدية (Traditional)، حيث يرى أصحاب توجه العمارة الغير مرئية أن هذا النوع من المباني يعد قمة الانسجام مع المحيط. في المقابل هناك الكثير من المعماريين الذين أعلنوا وبكل صراحة رفضهم لهذا الاندماج، فالراحلة زها حديد كانت ترفض حصر العمارة ضمن إطار (المأوى)، وكذلك الأمر بالنسبة لفرانك جيري الذي يرى فيها إضافة للمكان أو المحيط الذي نعيشه به. وهناك من وقف في موقف محايد أمثال نورمان فوستر ورينزو بيانو الذين جسدوا العمارة من خلال التقنية.

 

العمارة بوصفها نشاط

قد تكون الإشكالية الأكبر لأصحاب هذا التوجه، هو إصرارهم على مشاركة المستخدمين لعملية البناء نفسها، وتأصيل الرغبات والاحتياجات ضمن البناء أو العمارة نفسها، كنوع من التكامل والاندماج والذوبان بين احتياج المستخدمين والعمارة. هذا التوجه يعزز مفهوم أن العمارة (نشاط) يتم القيام به وفق الاحتياج، وهي بذلك تتخلى عن رمزيتها في كونها إضافة غير حقيقية للمحيط أو مزيفة على حد تعبيرهم. هذه الرؤية تتعارض مع كثير من الواقع الذي نعيشه اليوم، فعلى افتراض أن كل عمارة يجب تنفيذها من قبل المستخدمين لتصبح حقيقية، لما تمكن العالم من التوسع العمراني وتلبية الاحتياجات المختلفة، ولكانت المدن والبيئة العمرانية محصورة في ضمن نطاق الإمكانيات المحدودة للنشاط البشري.

 

لعل ذلك ما يدفع أصحاب هذا التوجه نحو التركيز على العمارة السكنية بوصفها العمارة الأقرب للبشرية كاحتياج، وأن مسألة التفاعل مع الفراغ الداخلي للمنزل هي نقطة الأساس لتكوين أو إعطاء القيمة الحقيقة للعمارة الغير مرئية. وهنا تطرح أيضاً جدلية جديدة، حول إذا ما كان الناس هم من يشكلون عمارتهم وتتأثر بهم من حيث نمط وأسلوب حياتهم؟ أم أن العمارة هي التي تقوم بذلك التأثير على الناس؟ أن تسكن في شقة مثلاً، في مبنى سكني من عدة طوابق وبتصميم محدود يختلف تماماً عن أن تسكن في مسكن بنفس المساحة على الأرض وبتصميم يواكب تطلعاتك أو مفهومك للحياة، بهذا يناقش بيتر كاومان فكرة العمارة الغير مرئية ويدافع عنها. ومن هنا أيضاً يرى أصحاب التوجه البيئي أو المستدام رؤيتهم للمسكن، لتحقيق التكامل مع البيئة أو المحيط ضمن نشاط يحفظ أو يحمي البيئة ويعزز التناغم معها، دون أن يكون هناك فرض أو سيطرة لجانب على حساب الآخر.

وبهذا قد نفتح باب للجدل والنقاش على هذه القناعات أو الآراء الشخصية تجاه مفهوم العمارة وحقيقتها. إلا أن الحقيقة التي لا تقبل الشك، هي أن العمارة كانت وستظل نقطة جدل كبرى بتأثيراتها المتنوعة والممتدة على جميع مناحي الحياة الإنسانية، وأن مسألة تصنيفها أو رؤيتها هي مسألة شخصية تعود للمعماري والمستخدم على حد سواء، في كيفية الحياة ضمن إطار عمارتها، سواء كان مرئي أو غير مرئي.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الرابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر