سيؤول التجديد الحضري في ظل عامل الوقت

 

كثيراً ما تقع خطط التجديد الحضري في مصيدة المحافظة على أكبر العناصر القديمة من حيث قيمتها الإنشائية أو التاريخية، ومن ثم العمل على تحديد المناطق الغير مهمة للخروج بحل يمكن وصفه بأنه من (أنصاف الحلول). في تجربة مدينة سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية يختلف الأمر تماماً. فعملية التجديد بدأت بالصعوبات الكبرى في محاولة لزيادة الجدوى الاستثمارية من التجديد، وعمل تغيير حقيقي يتناسب وتطلعات المدينة والمجتمع الجديد. في هذا العدد سنتناول هذه التجربة بشيء من التفصيل.

ركز مشروع ترميم منطقة (تشيو نغيتشيون) الواقعة في وسط مدينة سيؤول على تنشيط قناة تشيونغيتشيون التي كانت مغطاة لعقود من الزمن بواسطة جسر علوي سريع. واستخدمت مدينة سيؤول مواردها الخاصة لإيجاد حياة جديدة لوسط المدينة من خلال تعزيز البيئة الحضرية. بالإضافة إلى إعادة تعزيز منظومة النقل من وإلى المنطقة، حيث أدى ترميم مسار قطار (تشيونغي تشون) إلى تنشيط وسط سيؤول، الأمر الذي أطلق العنان لإعادة تصميم الفراغ الخضري وتعزيز الجانب الأخضر للمدينة الصناعية.

 

تبدأ القصة مع تدهور منطقة وسط المدينة القديمة في سيؤول، والتي أصبحت مشكلة حضرية كبرى على مر السنين. ناهيك عن مشكلة النمو السكاني في المدينة في العقدين من عام (1975م) إلى عام (1995م) حيث ازداد عدد سكان سول بنسبة (44%) من (6.88) إلى (9.89) مليون نسمة. ومع ذلك، خلال نفس الفترة الزمنية، انخفض سكان منطقة وسط المدينة بالفعل بنسبة (52%) في ظل الركود ومن ثم انكماش في المساحة المبنية. وبلغت نسبة الأسر التي لديها مستوى تعليمي أقل من المدرسة المتوسطة في وسط المدينة (40%) مقارنة مع (25%) في مدينة سيؤول ككل. وارتفاع نسبة السكن العشوائي لتصل إلى (35%) من المساكن في وسط المدينة، أو ما يعادل (2.5) ضعف عن بقية المناطق العشوائية في المدينة.

كان التحدي الأكثر أهمية في تجديد منطقة وسط مدينة سيؤول هو الطريق السريع المرتفع (18) متر. وبما أن إزالة هذا الطريق السريع الضخم لم يكن ممكناً، فإن معظم الخطط لم تقترح أي تغيير كبير على المنطقة. واستمر الحال حتى ظهرت رغبة جديدة في عام (2000م) لهدم وإعادة بناء الطريق السريع مرة أخرى بشكل يستوعب حركة المرور الضخمة ويخفف من وتيرة الازدحام المروري الشديد في المنطقة. ظهرت الفكرة في البداية وكأنها غير قابلة للتنفيذ، فالأمر بدى وكأنه ضرب من الخيال، خصوصاً أن هناك الكثير من البنية التحتية التي تقع تحت هذا الطريق.

 

وعلى الرغم من الإحجام التاريخي عن أي مشروع محتمل، فقد بدأت المناقشات حول التجديد بعد أن تم الإعلان عن خطة المدينة لهدم وإعادة بناء الطريق السريع المرتفع، وذلك جزئياً نتيجة للتحقيق الذي كشف عن التآكل في البناء الصلب الطريق السريع، مما يجعل من الواضح أن الطريق البالغ من العمر (30)عاماً سيكلف مبالغ كبيرة من المال للإصلاح والصيانة من حيث الجدوى الاقتصادية. وبالفعل تم رصد مبلغ بقيمة (303) مليون دولار أمريكي لإعادة بناء الطريق وبهدف الوصول إلى عائد استثماري يصل إلى (9.2) مليار دولار أمريكي.

 

التخطيط

بدأ مشروع ترميم طريق (تشيونغيتشيون) في الأول من يوليو عام (2002م)، حيث أنشئ مقر تشيونغيتشيون للترميم، ومجموعة تشيونغيتشيون للبحوث، ولجنة مواطنة تشيونغيتشيون للتعامل مع الأنشطة البحثية المتعلقة بالترميم. ومع اكتساب عملية الاستعادة قبولاً لدى الرأي العام والقطاع الخاص على حد سواء، تم الإعلان عن (خطة تجديد وسط المدينة) في عام (2003م). وكان الهدف المعلن من الخطة هو إعادة التنظيم المنهجي لحي تشيونغيتشيون والتنمية الطويلة الأجل لمنطقة وسط المدينة. حيث شملت خطة التجديد أيضا ما يلي: (1) استراتيجيات تنمية وسط المدينة؛ (2) الخطط الحضرية لحي تشيونغيتشيون والمناطق المستهدفة الرئيسية الأخرى؛ (3) تنشيط صناعات وسط المدينة.

تم تطوير خطة الاستعادة في البداية من قبل أكاديمية تشيونغيتشيون للتنمية والتي أنشئت في أوائل (2000م). وكجزء من عملية التخطيط، شارك المواطنون في عملية صنع القرار من خلال عملية انتخابية، مما مكن التواصل النشط والتوافق في الآراء بين الحكومة ومواطنيها. وإلى جانب خطة تنمية وسط المدينة، تم الانتهاء من الخطة الرئيسية لترميم طريق (تشيونغيتشيون) في عام (2004م). وتضمنت الخطة الرئيسية تدابير محددة لتجديد البيئة الطبيعية في المنطقة، وخلق حيز عام أكثر توجهاً نحو الإنسان. وعلى وجه التحديد، تضمنت الخطة خططاً لإيجاد المناظر الطبيعية وتأمينها، وتأمين موارد المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي، والتعامل مع حركة المرور، وبناء الجسور، واستعادة الأصول التاريخية، وإدارة الصراعات الاجتماعية.

 

التمويل

كان على المدينة الحصول على موافقة مجلس العاصمة سيؤول لتأمين التمويل العام بمبلغ (323 مليون دولار أمريكي) من أجل عملية الترميم، خصصت (84.13 مليون دولار أمريكي) للتجديد الشامل للطريق السريع المرتفع، وإدخال إجراءات عمل إبداعية لتعزيز كفاءة إدارة المدينة. وتم تحديد مدة العائد الاستثماري في غضون (20) عاماً تقريباً، وذلك بناء على دراسات الجدوى للمشروع والتي أشارت إلى أن قيم الأراضي في المنطقة المجاورة سترتفع بنسبة (25-50%) نتيجة لأعمال الترميم، وهو ما حصل بالفعل.

 

 

التنفيذ

تنبه القائمون على المشروع إلى أن تنفيذ المشروع لفترات طويلة من شأنه أن يزيد التكاليف وإزعاج أصحاب المصالح في المنطقة من المجتمع أو حتى القطاع الخاص، ولذلك قرر المسؤولون الحكوميون إكمال المشروع بأسرع ما يمكن. إلا أن مشروع بهذه الضخامة لم يكن من الممكن تنفيذه في مدة قصيرة، ولهذا عمد القائمون على المشروع إلى تقسيم المشروع لمراحل، بحيث يتم التركيز في كل مرحلة على أهداف محددة.

كانت المرحلة الأولى، تهدف إلى تحسين القطاع العام الرئيسي من جانب القطاع العام، والذي من شأنه أن يؤدي إلى بيئة حضرية أفضل، وأن يشجع كذلك على تجديد استثمارات القطاع الخاص. وكانت حكومة المدينة أول من هدم الطريق السريع المرتفع، وخلق الواجهة البحرية الصديقة للبيئة، واستعادة القيمة التاريخية للمنطقة من خلال الاستثمار العام. ومن شأن التأثير المترتب على عملية الترميم أن يساعد على تنشيط وسط المدينة والمنطقة المجاورة، التي ستجري بالشراكة مع القطاع الخاص. وعلاوة على ذلك، سيجري ذلك بطريقة تفيد كلاً من القطاعين العام والخاص.

تميزت هذه المرحلة بتداخل مراحل التخطيط والبناء في الترميم. حيث بدأت أعمال البناء في الأول من (2003م) وبعد ستة أشهر من بدء عملية التخطيط وقبل عام من اكتمال الخطة فعلياً. وقد تم التصميم النهائي خلال فترة البناء، التي استمرت عامين.

أثبتت هذه العملية المتزامنة فعاليتها من حيث التوفير في الوقت والتكلفة. وكان العمل المتزامن حاسماً في عملية التفاوض مع التجار وأصحاب العقارات التجارية، حيث كانوا مهتمين باحتمالات تعطل الأعمال والخسائر المالية اللاحقة.

 

الصعوبات والتحديات

كان الخلاف حول الجوانب المكانية والتاريخية للتنشيط الحضري كبيراً أيضاً. وأصر البعض على أنه ينبغي إعطاء الأولوية للأراضي الصغيرة والمباني المنخفضة الارتفاع للحفاظ على الأزقة الصغيرة والقيم التاريخية لمنطقة وسط المدينة. وذهب آخرون إلى أنه ينبغي تطوير مباني أطول لتحديث وسط المدينة. حاولت الحكومة معالجة العديد من المخاوف المتعلقة بالحفظ التاريخي، وساعدت استعادة التراث الثقافي على تبرير المشروع وضمان الدعم. قررت بلدية سيؤول أيضاً الحفاظ على جميع الموارد التراثية التي تم حفرها أثناء البناء.

كان تخطيط النقل من بين أصعب القضايا التي كان على الحكومة أن تعالج، نظراً لإزالة الطرق المزدحمة في وسط المدينة. وتفادياً لذلك، خططت حكومة المدينة لمسار الحافلات الطريق الدائري، ثم قامت بزيادة رسوم وقوف السيارات لتقليل حركة المرور في المنطقة، ووضعت حداً صارماً لمواقف السيارات غير القانونية، وأدخلت ممرات عكسية وذات اتجاه واحد لمعالجة هذه المخاوف، بالإضافة إلى التخطيط لنظام أفضل للنقل العام.

إحدى أولويات عملية الترميم أيضاً والتي شكلت تحدياً كبيراً هي مسألة السلامة التي شملت اتخاذ تدابير مناسبة لمنع الفيضانات والتي تتكرر منذ (200)سنة. وبالإضافة إلى ذلك، وضعت البلدية أحكاماً خاصة للتعامل مع مشاكل الصرف الصحي أثناء تنفيذ المشروع. حيث تم دفن عدد كبير من أنابيب الصرف الصحي بالقرب من تشيونغيتشيون لأن مياه الصرف الصحي في وسط مدينة سيؤول تجمع تقليدياً على طولها. وكان إيجاد طرق لمعالجة مياه الصرف الصحي شرطاً مسبقاً للاستعادة. وبسبب الفيضانات الموسمية، تم تعجيل البناء في المراحل الأولية. وهدمت الهياكل الرئيسية أثناء تطوير التصميم التفصيلي لأعمال البناء في مجرى النهر في آن واحد، وتم الانتهاء من البناء في أوائل عام (2005م) وبعد سلسلة من الاختبارات التي أجريت خلال موسم الأمطار، افتتحت المشروع الجديدة للجمهور في نفس العام.

 

الدروس المستفادة

وقد أدى تجديد المنطقة إلى تأثيرات مباشرة ناجمة عن عملية التجديد نفسها من حيث الحركة وتوفير فراغ عام عزز من التوجه البيئي، وآثار غير مباشرة أدت إلى خلق قيم عقارية أعلى في المنطقة، وبالتالي إعادة تنشيط وسط مدينة سيؤول، والذي يجتذب الناس والنشاط التجاري الآن. وعلى نطاق أوسع، أسفرت عملية الاستعادة عن تغييرات في الوعي المدني، فضلاً عن استراتيجيات التخطيط الحضري لإصلاح وسط المدينة والنقل العام. حيث كانت أسعار الأراضي داخل دائرة نصف قطرها (100) متر من تشيونغيتشون أعلى بنسبة (15%) فقط بالمقارنة مع تلك التي تقع داخل دائرة نصف قطرها (600) متر. ومع ذلك، وبعد التحول إلى مساحة خضراء، تضاعفت الفجوة في القيمة بنسبة (30%).

واشتمل المشروع على إنشاء مساحة عامة خضراء جديدة يبلغ مجموع مساحتها (16.3) هكتاراً. هذا الفضاء الجديد يستضيف الأنشطة الاجتماعية والثقافية، حيث استضاف (259) فعالية في الفترة (2005-2007م). ويوفر موائل للحيوانات والنباتات، ويفيد البيئة عن طريق خفض درجات الحرارة. ومن وجهة نظر المواطنين، كان أكبر مساهمة للترميم هو توفير مكان لطيف للاسترخاء.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الرابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي