خطوة الألف ميل إشكاليات وصولية المشاة في المدن القائمة

 

يتجه العالم اليوم نحو إيجاد مدن أكثر وصولية للمشاة أو ما يعرف بـ(Walkability)، وعلى الرغم من نبالة هذا التوجه، إلا أن الإشكاليات المترتبة على تحقيقه تمثل تحديات كبرى للمخططين والمصممين خصوصاً في المدن القائمة، حيث تكمن الصعوبة في اتخاذ القرار المناسب لعدة جوانب، وليس لجانب أو قضية تصميمية واحدة. يتضح ذلك على سبيل المثال في قرار تحويل شارع إلى ممر مشاة، هذا القرار يترتب عليه عدد من الأسئلة التي يجب الإجابة عليها قبل اتخاذ الخطوة، كطريقة الوصول لأصحاب المساكن أو المحلات التجارية، توفير المواقف، التدفق والحركة المرورية وغيرها من الاعتبارات التي تعد قرارات ثانوية مهمة.

في المدن العربية تزيد قوة وحدة هذه التحديات، بعضها تدفعه الثقافة التي تراكمت منذ أن تخلت المدينة العربية عن ثوبها القديم لتدخل عالم الحداثة، كوقوف السيارات أمام نقطة الوصول حتى ولو بشكل خاطئ! فالمهم هو الوصول إلى أقرب نقطة يمكن الوصول إليها. هناك أيضاً عوامل أخرى قد تعيق فكرة الوصولية للمشاة في المدن العربية، كمسألة المناخ وعلاقته بالتصميم الحضري، وبعضها قد يعود لأسباب تتعلق بالأمن والسلامة. ويمكن لنا بشكل عام تحديد بعض أبرز هذه العوائق بشيء من التفصيل على النحو التالي:

 

التخطيط العمراني:

لعب نموذج تخطيط المدينة العربية الحديثة دوراً كبيراً في التقليل من وصولية المشاة في مقابل الوسائل الأخرى، كالسيارات أو الترام في بعض المدن التي تنبهت لقضية النقل العام منذ البداية. هذا الدور أخذ في تشكيل ثقافة استمرت على مدى أجيال تقوم على فكرة الوصول إلى أقرب نقطة من نقطة الوصول نفسها باستخدام السيارة كنوع من الترف الحضاري والمبالغة في مواكبة الجديد في تقنية النقل والمواصلات. وعلى الرغم من أن هذا السبب يعد من أكثر الأسباب لتدني مستوى وصولية المشاة لدى الكثير من المختصين، إلا أن هناك أسباب أخرى ساهمت في ذلك أيضاً.

 

الخصوصية:

فالمجتمعات العربية تعد مجتمعات محافظة إلى حد كبير مقارنة بالمجتمعات الأخرى، وإن كانت هذه المحافظة تختلف من مدينة لأخرى ومن مجتمع لآخر، إلا أن الجذور أو الانطلاقة للمدينة العربية تعتبر واحدة، حيث نتشارك نفس المفاهيم السابقة للمدينة الإسلامية. يمكن قراءة الخصوصية من أكثر من زاوية، قد تكون في قضية الفصل بين الرجال والنساء ضمن نشاط التنقل في ظل غياب (الساباط) والذي كان يلعب دور محوري في عملية الوصولية للمشاة في المدينة القديمة. ويمكن قراءتها من حيث الحق العام والخاص للفراغ نفسه، فالرصيف يتم اعتباره جزء من الملكية للأرض، وبالتالي ممارسة حقوق الخصوصية في تصميمه في ظل غياب نظام يوحد هذا العنصر.

 

المواقف:

لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للمواقف، والتي تعد النقطة الأبرز في مسألة الحركة، خصوصاً في الحي السكني والشارع التجاري. فالأولوية دائماً مقدمة للسيارة بغض النظر عن إن كانت تعيق حركة المشاة، ولذلك نجد أن المواقف في الشارع التجاري تكون ملاصقة للمحل التجاري، وليس هناك خيار للمشاة. هذا الأمر يعد مشابهاً في الحي السكني وشوارعه الداخلية، سواء من حيث توفرها أو من حيث ارتباطها بالشارع نفسه. فلو افترضنا أن متوسط الشوارع الداخلية سيكون بعرض (12م) كعرض صافي، فمع وجود السيارات على طرفي الشارع وأمام المنازل هناك ما يقارب (5م) تم اقتطاعها من الشارع ليتبقى (7) أمتار تخصص لمسار السيارات والمشاة في نفس الوقت.

 

السلامة:

هذا المشهد يعكس الحقيقة التي تكاد تكون مستترة ضمن عوامل أخرى، فالشارع بوضعه الحالي ليس مهيئ للتنقل سيراً على الأقدام لتدني مستوى السلامة. سواء كانت في التقاطع المباشر مع حركة السيارات أو في غياب استمرارية المسار الآمن من نقطة وصول إلى أخرى، حتى في تلك التي تدخل ضمن النطاق الخدمي داخل الحي السكني، كالمسجد أو المدرسة أو حتى المتجر القريب من المنزل.

 

المناخ الخارجي:

يفضل البعض إضافة مسألة المناخ الخارجي للمدن العربية كعامل يوضح تدني مستوى الوصولية للمشاة في مقابل الوسائل الأخرى، فدرجات الحرارة العالية في فترة الصيف أو حتى الرياح الباردة في فصل الشتاء، قد تكون مضرة بشكل مباشر على الراحة الجسدية للتنقل سيراً على الأقدام، خصوصاً الأطفال أو كبار السن. ولعل هذا ما يطرح جدل كبير عن كيف يمكن لنا أن نعيد تصميم الشارع بشكل يحقق كفاءة عالية للمتطلبات والمعطيات الخاصة ببيئتنا، دون أن نلغي هذا التوجه داخل المدينة.

 

 

إشكاليات أعمق:

كنا قد أشرنا إلى أن مسألة التغيير تتطلب وجود رؤية أوسع للصورة بشكل شامل، بمعنى أن أي تغيير على البيئة العمرانية بهدف تعزيز وصولية المشاة، قد يؤدي إلى ضرر عامل آخر كان موجود ومتاح ضمن البيئة العمرانية، وبالتالي هناك الكثير من الضرر الذي قد يقع على أصحاب الملكيات أو حتى مستويات أداء الشوارع التجارية. لذلك من المهم جداً أن يتم تناول هذا الموضوع أو القضية وفق مبدأ التجزئة، بمعنى أن الحلول تكون في الغالب جزئية ضمن خطة زمنية ومراحل حتى يتم التغيير. هذا الأسلوب يعد من أكثر أساليب التحول في البيئة العمرانية اليوم على مستوى العالم، إلا أن تطبيقه على المدينة العربية، قد يتطلب إجراء الكثير من التعديلات للتوافق مع معطياتنا الحالية، ويمكن أن نسرد بعض هذه الأفكار على النحو التالي:

 

الاتجاه من الداخل للخارج:

قد يكون من الصعب جداً تغيير مسارات أو اتجاهات الشوارع على مستوى المدينة لإضافة مسارات للمشاة. لكنه يعد ذلك ممكناً إذا ما كان الحديث يدور حول الحي السكني. فمن الحي يمكن الانطلاق نحو التشجيع على المشي كوسيلة للانتقال من مكان لآخر أو حتى كنشاط رياضي صحي. والسبب في ذلك أن عمليات التعديل داخل الأحياء السكنية، تتطلب القليل من الجهد وبمعدلات قليلة من الضرر، بالإضافة إلى أنه يمكن إدارتها والسيطرة عليها من خلال مراكز الأحياء أو الجهات الفرعية التي تعمل على إدارة هذه المنطقة من المدينة، مع إمكانية تقسيم العمل وتحقيق مسارات للمشاركة السكنية في إبداء الرأي حول هذه التعديلات دون الوصول إلى نقطة الاعتراض وفق الإطارات القانونية. فالمالك له الحق في إبقاء الوضع كما هو عليه بموجب تاريخ الشراء والبناء، وأي تغيرات تتعارض مع هذه المصالح يمكن الاعتراض عليها قانونياً.

 

التركيز نحو البعض وليس الكل

التفكير بالبدء من الحي السكني، قد لا يشترط أيضاً أن تتم عملية تغيير شاملة، في البداية يمكن التركيز على عدد من العناصر المعمارية داخل الحي، كالجامع أو المدرسة أو المحل التجاري الداخلي أو حتى المستوصف. هذا التركيز يمكن أن ينتج عنه دراسة لمسارات المشاة داخل الحي، وربطها بمسارات حركة السيارات أو الحافلات المدرسية من خلال إيجاد نقاط وصول تمثل نقطة التقاء داخل الحي. أيضاً يمكن التوسع في هذا الحل ضمن نطاق الأحياء المجاورة، ومن ثم تحديد مسارات الانتقال من حي لآخر والعمل على حمايتها وتعزيزها ضمن نطاق حركة المشاة وبدون أن تكون هناك تكاليف ضخمة لهذه الإضافات.

 

حالة دراسية:

أثناء الإعداد لهذا الملف، قام فريق العمل في بوابة (LAYOUT) بعمل تقرير ميداني عن أحد أحياء مدينة جدة. التقرير يأتي ضمن سياق الإجابة على تساؤل إمكانية تطبيق هذه التوجهات البيئية الحديثة في المدينة العربية القائمة. إلا أنه يسعى في نفس الوقت إلى قياس هذا التطبيق لمثل هذه الأفكار على أرض الواقع، بهدف الوقوف بشكل فعلي على ما هو ممكن أو غير ممكن تطبيقه، بما يتوافق أو يتماشى مع ظروفنا وبيئتنا ومجتمعنا.

يأتي التقرير كاستطلاع ميداني، لأحد الأحياء السكنية، وتحديداً حي (المسرة) في شمال مدينة جدة, حيث يحاول من خلال تقديم مقترح تطويري معرفة مدى قابلية التطبيق والتغيرات المترتبة على ذلك، بهدف إعطاء القارئ المختص والعادي، صورة عامة حول الإيجابيات والسلبيات التي يمكن تحقيقها أو حصولها نتيجة لهذا التطبيق.

يستعرض التقرير في الفصل الأول القراءة العامة للموقع المختار وتحليله وفق عدة نقاط بينما الفصل الثاني يتناول (خطة المقترح البديل) بينما يتضمن الفصل الثالث (قياس النتائج). ويمكن الإطلاع على التقرير من خلال الرابط التالي: (رابط التقرير)

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الرابع للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي