الصورة الكبرى: لماذا اخترت أن أكون ناشراً؟

 

تعتبر مسألة تغيير التخصص أو حتى التعمق في مسار ثانوي للتخصص نفسه من الأمور الشائعة في العالم كله، ولعل بعض قصص النجاح أو الفشل التي نسمعها أو نشاهدها أحياناً أكبر دليل على هذا التوجه الشائع. بالنسبة لي لم يخرج الأمر عن قناعة شخصية بعد ممارسة العمارة لسنوات، حاولت خلالها إيصال رسالة ورؤية خاصة. إلا أن الظروف لم تكن في صالحي، أو لنقل أن تلك الرسالة والرؤية لم تكن مناسبه للمجال. فلكل مجال معين أدوات ومعايير لابد من التمشي معها، وللأسف لم أعي هذا الحقيقة إلا بعد سنوات طويلة.

 

خيار الاتجاه نحو (النشر) لم يكن سهلاً بالنسبة لي، كان ولا يزال ينقصني الكثير في هذا المجال، إلا أنه مرضي من حيث الشعور بالمساهمة في الصورة الكبرى. فالعمارة بمجالها الواسع لا تقتصر على جانب دور آخر، بل ترتبط بعدة جوانب تشكل صورتها النهائية. فالعمل المعماري يحتاج إلى فكر، والفكر يحتاج إلى طرح ونقد. والطرح يتطلب وجود بيئة مهنية واعية بمفاهيم الطرح ومشاركة الأفكار، والأفكار تتطلب خيال واسعاً وخروجاً من القوالب الجامدة، والخروج يتطلب الجرأة والموهبة، والموهبة تحتاج إلى الدعم، والدعم ثقافة قبل أن يكون عمل أو نشاط، والثقافة شكل من أشكال الفكر. كل ذلك يدور ضمن صورة العمارة، وكل ذلك يتطلب أن يكون هناك أشخاص يلعبون أدوار ثانوية من أجل الصورة الكبرى.

 

أن أكون ناشراً لا يعني أني لا أعشق العمارة! ولا يعني أني سيء في ممارستها. لكنه خيار شخصي أحاول من خلاله المساهمة في تصحيح المسارات وتعبيد الطريق، وأن ألعب هذا الدور بشكل مختلف ومكمل لمن سبقونا، فمن ينكر ما قام به أبناء أبا الخيل في توعية أصحاب المهنة من خلال مجلة البناء العريقة؟ ومن يجحد ما قام به الدكتور عبدالباقي إبراهيم (رحمه الله) من خلال مركز الدراسات العمرانية وإصدارته؟ أو حتى أولئك المعماريين الذين ألفوا ونشروا أفكارهم بشكل فردي مع كل ما في ذلك من مخاطر ماليه ومعنويه، والتي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا؟

بل من يستطيع إنكار المجهود المبذول للكتاب الذين يشاركون هذه الصفحات بعد أن استقطعوا من أوقاتهم وأفكارهم ليكتبوا مقالة بهدف نشر التوعية والمعرفة؟ أو التعريف باتجاه أو التوسع في مجال؟ أو أولئك اللذين ينشرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أفكارهم وآرائهم ونصائحهم بشكل دائم ومستمر رغم كل المشاغل التي تحيط بهم.

 

كل ذلك يعد دور ومهمة تقام بشكل ثانوي وإضافي لتعزيز الصورة الكبرى للعمارة، بمفهومها الواسع الذي يتجاوز مسألة (البناء والتعمير)! لهذا أعتقد في رأيي، أنه حان الوقت لأن يكون هناك الممارسين والناقدين والناشرين والمعلمين في المجال. حيث لابد من وجود هذا التنوع في القاعدة المهنية لمجال العمران عموماً، وبدون ذلك لن نتمكن من بناء هرم قوي يستند لتراكم المعرفة والخبرة.

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي