تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

شواهد العمارة وعلاقتها بالبيئة الطبيعية في سلطنة عمان (2/2)

 

تحدثنا في العدد السابق عن علاقة الإنسان بالبيئة المحيطة أنها تقوم على احترام الموقع والتعايش مع طبيعته، والاستجابة للمتطلبات بقدر وعدم الإسراف. وفي هذا العدد نستكمل الحديث ونرى كيف كانت العمارة مستدامة وصديقة للبيئة بمفاهيم اليوم.

 

استدامة الموارد الطبيعية

كان العماني حريصاً على استدامة الموارد وكافة المكتسبات الطبيعية وفق منظومة معمارية ذات كفاءة عالية. إن الحياة في عمان كانت تقوم على استغلال الموارد الطبيعية المحدودة، وحيث أن الزراعة المتعددة المواسم لن تتم إلا بوجود مصدر ماء دائم، كان مصدر الماء هو العامل الأساسي لتحديد الرقعة الزراعية والنسيج العمراني فحفرت الآبار وشقت (الأفلاج) وهي قنوات شيّدت بهندسة بارعة لنقل المياه من المصادر إلى مواقع الاستهلاك تحت تأثير الجائبية الأرضية تتخللها جسور وأنفاق.

للتغلب على شح المياه كان العماني يعيد تدويرها، فالماء النظيف يستخدم للشرب والاستحمام بداية، ثم نفس الماء يستخدم لغسيل الملابس والأواني ومن ثم لسقاية المحاصيل الزراعية الدائمة أولاً، و أخيراً المحاصيل الزراعة الموسمية في حالة توفر الماء. إن إعادة تدوير إعادة استخدام المياه في الفلج و تدويرها هي أساس تطبيق تدوير "المياه الرمادية" التي يروّج لها اليوم لإعادة استخدام المياه القليلة التلوث ضمن تطبيقات استدامة موارد المياه. و يذهب العماني لأبعد من ذلك فيستخدم مياه الفلج في استعمالات أخرى لأغراض التبريد والتدفئة، حيث أنه من المعروف أن المياه الجوفية التي تأتي من باطن الأرض حيث درجة حرارة باطن الأرض ثابتة طوال فصول السنة وعند انبثاقها لسطح الأرض بدرجة حرارة تقارب (30) درجة سيليزية فإنها تمتص حرارة الصيف المرتفعة وتقوم بتبريد الهواء، وعلى العكس في الشتاء تطلق الدفء لذا نجد الأفلاج تدخل إلى بعض المباني لأغراض التكييف ما يخلق ترابطاً وثيقاً بين الماء وكل جزء من النسيج العمراني بشكل يثير الإعجاب.

إن استدامة الموارد هي قضية جوهرية في العمارة العمانية فلا يتم الإخلال بحق الإنسان في الاستجابة لمتطلباته دون أي استنزاف للموارد ، فالمواد العضوية الناتجة من الغطاء النباتي تعود إلى نفس الأرض لاستخدامها كسماد طبيعي وهي ذاتها فكرة (الزراعة العضوية) التي يتجه إليها العالم اليوم والتي لقت اهتماماً كبيراً في عمان فأصبحت هناك مصانع عديدة لإنتاج الأسمدة العضوية مكوناتها الخام من المخلفات العضوية الناتجة من المنازل أو من الأنشطة الزراعية. كما أن المياه وهي تنساب من أعالي الجبال تحمل معها المعادن اللازمة للنباتات، وهي في ذات الوقت تعمل على جمع الطين ما يتطلب عند تراكمه القيام بتنظيف قنوات الماء والأحواض الزراعية فيستخرج الطين المتماسك وينقل لمواقع البناء والتشييد وصيانة المباني.

يستطيع الزائر لعمان تلمس كفاءة استخدام الأراضي الزراعية خصوصاً عند الحديث عن تعدد المحاصيل في الأرض الزراعية الواحدة وفق مناخات مختلفة. ومن الأمثلة الدالة على ذلك زراعة شجرة الموز التي تحتاج إلى مناخ استوائي ذي رطوبة عالية ورياح بسرعة منخفضة، ولكون السلطنة ذات مناخ جاف وحار تتم زراعة أشجار النخيل في نفس الموقع لتظلل أشجار الموز وتهيأ لها المناخ اللازم وتوفر الحماية للمحاصيل الصغيرة.

 

التخطيط العمراني

إن احترام العماني لطوبوغرافية الأرض وفهمه للبيئة المحيطة من جبال وغطاء نباتي والتوزيع الدقيق للمساحات بينهما، خلق بيئة متوازنة ومعماراً مدروساً، فالمساكن التي تبنى على الأراضي الصخرية المرتفعة حققت حاجة الأمن والدفاع طبيعياً من السيول، وأتاحت للسكّان مراقبة المورد الزراعي وحراسته، وفي نفس الوقت تم مراعاة ارتفاع المساكن مع حركة الهواء لاستقبال النسيم القادم من وسط المزارع لتلطيف المناخ، وتم التدرج في اتساع الممرات والسكك لزيادة ضغط الهواء وسرعته، واستخدمت المواد العضوية في البناء من ألياف النخيل والطين وهي مواد مسامية حساسة لرطوبة الهواء تساهم في التحكم في درجات الحرارة داخل المساكن. كما أن ارتفاع المساكن المتفاوت يلقي بالظلال على السكك والنوافذ والأبواب فلا تتعرض لأشعة الشمس المباشرة إلا في فترة الظهيرة، وقد يرى الزائر النسيج العمراني في عمان معقداً كمتاهة تتكون من السكك والأزقة المتداخلة مع المباني المتفاوتة الارتفاع فلا يجد تفسيراً لذلك إلا تصنيفها تحت طائلة العشوائيات، بالرغم من أن التخطيط تم في منتهى البساطة من خلال قراءة البيئة الطبيعة واحترامها، كما أن توزيع الاستعمالات والمساحات والموارد المتوفرة بدقة وكفاءه حسب حاجة الإنسان.

إن العمارة في عمان على تعدد طرزها كانت مخلصة للبيئة الطبيعية وجاء النسيج المعماري على ضوء الإمكانات والموارد المتاحة، وتقدم درساً لتطويع الموارد المحدودة من أجل بناء حضارة إنسانية، وهي في نفس الوقت تدعونا إلى البحث عن البدايات الأولى التي بدأها الإنسان، لنعيد تطبيقها اليوم في عالم يضج من قلة الموارد ويعاني من صراع مع الطبيعة وكوارثها.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر