المطارات .. جواز سفر المُدن

 

المطارات لم تعد مجرد بوابة للعبور، ولا مقصداً للقدوم والمغادرة، بل باتت معياراً رئيساً لمستوى جودة إدارة المدينة، فيها تصنع ذاكرة المكان، وتكوّن الصورة الذهنية، ومن خلالها تقاس ثقافة الشعوب، ومرتبة تحضرها، هذا المؤشر الحضاري استوعبته الكثير من المدن على مستوى العالم منذ زمن مبكر، واستثمرت في هذه المنشأة الأهم على مستوى المدينة، ووظفتها بصورة عملية ومباشرة اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً، واستطاعت أن تسوّق من خلالها هويتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية على إثر ما منحته من (أهمية) و(وأولوية).

 

في المقابل لازالت الكثير من المدن التي تعيش حقبة (مظلمة) و(متخلفة) في غياب تام ومعزل كامل عن هذه المعادلة التي لم تعد تقبل القسمة على اثنين، نظراً لافتقاد هذه المدن إلى الحد الأدنى من أبجديات تخطيط المدن وإدارتها وتشغيلها دون تفسيراً واضحاَ لتقاعسها عن الاهتمام بمطاراتها وتحسين بيئتها وبنيتها التحتية ونمط إدارتها، بعض هذه المطارات صارت (مُخجلة جداً)، وتحولت إلى أماكن (بائسة) و(كئيبة) ولا ترتقي حتى لأن تحمل اسم (مطار) فضلاً عن كونها تمثل جواز سفر للمدينة التي تحتضنها.

 

زرت العديد من دول العالم، وبحكم تخصصي في تخطيط وتصميم المدن وإدارتها كنت أحرص وبشكل دائم على محاولة فهم أي مدينة من خلال (مطاراتها)، شخصياً أعتبرها معياراً رئيساً لمعرفة العقلية التي تُدار بها تلك المدن، وكثيراً ما أجد ذلك التوافق والعلاقة الطردية بين جودة المطار والمدينة، إلا في حالات نادرة ربما يحدث تباين بين ذلك لأسباب استثنائية، الأمر الآخر حتى إن كانت المدينة ذات مستوى أقل في مستوى بناءها الحضري وكان مطارها متفوقاً عليها فهذا يمنح قراءة مختلفة تكمن أن هذه المدينة ومن خلال مطارها المتفوق تقدم رسالة فحواها أنها لم تصل لتحقيق طموحاتها بعد ولكنها ماضية في صناعة مستقبل أفضل.

 

كثير من مطارات العالم هي تجربة سياحية بحد ذاتها، لذلك نجد كثير من المسافرين يضعها خياراً رئيساً لرحلة (الترانزيت) بل ويتعمد أن تكون فترة التوقف طويلة للاستمتاع بمرفقاتها وخدماتها وقضاء وقتاً ممتعاً بها، وبالمجمل فإن ذلك يوفر عوائد اقتصادية للمدينة ويمنحها فرصة لتسويق مقوماتها وثقافتها للمسافرين القادمين من كل أنحاء العالم، بل إن بعض المدن بدأت تفكر أن تجعل المطار جزء من المدينة وتُدخل حيزاً من العمران المجاور لحدود نطاق المطار(مشاريع استثمارية على هيئة مدن تابعة للمطار) وتمنح هؤلاء المسافرين فرصة التجول فيها دون الحاجة لإجراءات دخول، بالإضافة إلى تحويلها مقصداً للسكان المحليين.

 

الأهم من ذلك كله يفترض أن لا تمتلك المطارات - سواء كانت ذات إدارة حكومية أو خاصة - الحق المطلق في التحكم بنموذجها التشغيلي وخططها التنفيذية، باعتبار أن المطار ليس منشأة مستقلة بذاتها بل هي مركز نمو مرتبط بمنظومة عمرانية متكاملة تؤثر وتتأثر بالمدينة الأم، لذلك يجب أن تعي إدارة المدينة أنها مسئولة عن مستوى أداء مطاراتها، مهما كان نمط الإدارة المحلية القائم، إذ لا يمكن المغامرة بسمعة واقتصاد مدينة ما بسبب إدارة مطار (غير مؤهلة) لاستيعاب هذه الفلسفة التنموية.

 

خلاصة القول:

إذا أردت أن يكون لديك مدينة جيدة، عليك بناء مطاراً متطوراً.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي