المشي إلى المدرسة

 

عندما طرحنا مخطط عمراني في إحدى المناطق الإماراتية، والذي كانت فكرته التخطيطية وصول ما لا يقل عن (50%) من مجموع الطلبة إلى مدارسهم مشياً على الأقدام أو باستخدام الدراجات الهواية، بحيث يتضمن التخطيط مسارات مشاة ودراجات هوائية تربط المساكن بأراضي مخصصة للمدارس تقع في قلب الحي السكني، كان التساؤل الكبير هو: هل الجو في الخليج قابل للمشي ولاستخدام الدراجات الهوائية وخاصة في الحر؟ علماً أن المدارس تُغلق أبوابها في فصل الصيف؟ وقبل الإجابة عن هذا التساؤل المهم، دعوني أعرض عليكم تجربة حقيقية عايشتها في حي سكني لإحدى شركات التطوير العقاري في إمارة دبي يسمى الينابيع.

 

الينابيع حي سكني راقي في دبي تتولى شركة إعمار العقارية تطويره وإدارته، ما يميز الينابيع ليست الحدائق والبحيرات المنتشرة في كل مكان، ولا حتى نوعية الشريحة المجتمعية التي تسكنه والتي غالباً ما تكون من الأسر الأوربية، ولكن ما يميزه هو أنه عبارة عن مجموعة أحياء سكنية تبلغ عشرة أحياء أو تزيد وتتوسطها مجموعة مدارس متنوعة وبمناهج مختلفة، والعبرة هي أن أغلب طلبة هذه المدارس من سكان مجموعة الأحياء المحيطة بها والأغلبية من الطلبة تصل إلى المدارس مشياً على الأقدام أو باستخدام الدراجات الهوائية، وحيث أنني كنت أُراقبهم في فترة خروج الظهيرة فقد رأيت أن الحركة سلسة جداً حيث يقوم بعض رجال أمن المجمع بتسهيل عبور الطلبة للطرق الرئيسية وبمجرد دخولهم حيز الأحياء السكنية فهناك ممرات خاصة مظللة ومحمية من السيارات يسلكها الطلبة ذهاباً وإياباً إلى المدارس سواء كانوا مشاة أو على دراجاتهم الهوائية، وهنا تظهر الإجابة على التساؤل السابق من خلال مجموعة من التساؤلات وهي هل الجو في الينابيع يختلف عن الأجواء في سائر مدن الخليج؟ أم هل الطفل الأوربي الذي ولد في درجة حرارة صفر أقدر على قيادة دراجته الهوائية والمشي في هذه الأجواء من الطفل الخليجي الذي ولد في درجة حرارة خمسين؟ أم أن العائق الحقيقي ليس الجو ولكن الثقافة والتخطيط العمراني السيئ الذي يجعل المشي وركوب الدراجات الهوائية في أحيائنا السكنية عجيبة من عجائب الدنيا السبع؟

 

نعم أجواء الخليج ليست مثالية ومعتدلة طوال العام كأجواء دول الأبيض المتوسط، ولكنها حتماً أفضل من الدول التي لا يكون المناخ فيها معتدلاً إلا في شهرين أو ثلاثة كما في أوروبا التي يتغنى بها عشاق المشي وركوب الدراجات الهوائية، لأن المناخ في الخليج مناسباً جداً فيما لا يقل عن ستة أشهر في السنة لممارسة كافة الرياضات الخارجية وهي فترة المدارس في الغالب، أضف إلى ذلك أن المشي، واستخدام وسائل النقل المستدام كالدراجات الهوائية والتقليل من استخدام السيارات والحافلات تعزز عدة جوانب بيئية واجتماعية واقتصادية وصحية للمدينة. فالجانب البيئي معروف، ولا شك أن حركة ألف طالب يومياً ذهاباً وإياباً تتطلب وجود مئات السيارات خاصة مع الوفرة الاقتصادية التي تعيشها دول الخليج وكذلك عشرات الحافلات التي تزيد من الانبعاثات الكربونية في المدينة. وأما الجانب الاجتماعي فإن فرص الالتقاء بين الطلاب وتبادل أطراف الحديث ذهاباً وإياباً. كما أنه في الجانب الاقتصادي لا يخفى على كل ولي أمر أن أسعار النقل قد تتجاوز ثلاث سعر التعليم فهو باهظ التكاليف خاصة مع ارتفاع أسعار مشتقات النفط في كل دول الخليج، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة المشي لدى أفراد المجتمع منذ الصغر هو الحل الأساسي لأغلب أمراض العصر كالضغط والسكري والسمنة ومصدر لإفراز هرمون السعادة بين الناس.

 

وأخيراً فإن وجود المدارس في الأحياء السكنية وإضافة أنشطة أخرى فيها كالصالات الرياضية والملاعب وحدائق الحي يجعلها بيئة جاذبة ومحببة للطلاب وهو ما تم اعتماده في الولايات المتحدة تحت مسمى (المدارس المجتمعية) والتي تزيد حسب الدراسة من انتماء الأهالي إلى المدرسة باعتبارها مجلس للحي السكني.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي