العودة إلى المدن المؤنسنة

 

منذ أكثر من نصف قرن تقريباً، كانت الحاييل في مدينة الرياض (مفرد حيالة) مرتعاً للعب كرة القدم والتسكع خارج أروقة المنزل بالنسبة لأبناء الحارة. قصص يرويها كبار السن عن حاراتهم القديمة وكيف كانت علاقتهم المتينة بجيرانهم. يحكي الأستاذ حمود الضويحي في مقاله بجريدة الرياض (ماضي الحدائق المسورة) والذي نشر بتاريخ 26/3/1436 هـ بأن من سكن "الرياض" لا يزال يتذكر أول حديقة أنشئت في قلب المدينة عام 1377 هـ، وهي حديقة "الفوطة" والتي كانت مشهورة بمسطحاتها الخضراء. لم تكن الحديقة مجرد متنفس للمتنزهين بل كانت تحوي الطلاب الدارسين والمقبلين على الامتحانات، كما يمارس فيها بعض الشباب هواية صيد الطيور. ونظراً لتقارب المسافات، كان سكان حي الخزان والذين يعيشون على مقربة من الحديقة، يتنقلون معظم أوقاتهم سيراً على الأقدام من المنزل إلى المدرسة ومن المدرسة إلى الأندية الرياضية آنذاك (الشباب، الهلال والنصر) والمنتشرة على شارع الخزان لمشاهدة أفلام السينما التي كانت تعرض بتلك الأندية. وكان سكان المدينة يرتبطون ارتباطاً وثيقاً ببيئتهم العمرانية ويستشعرون طرقاتها بما تحتويه من أماكن عامة وساحات وحدائق أينما حلوا وأينما نزلوا.

 

ومع توسع مدينة الرياض وكبر حجمها نتيجة تحسن الاقتصاد والظروف المعيشية للسكان في بداية السبعينات الميلادية (مرحلة الطفرة)، بدأ السكان بالانتقال من وسط المدينة النابض بالحياة إلى بناء مساكن في المناطق الجديدة والتي روعي فيها توفر الخدمات والمرافق العامة. صاحب تلك الفترة إنشاء العديد من الطرق والشوارع الرئيسية وبالتالي زيادة في معدل استخدام المركبات الخاصة، فحينها كان من الصعوبة التنقل سيراً على الأقدام لتباعد المسافات وتوفر وسيلة نقل مريحة. ولأسباب متعددة من أهمها ضعف الوصولية، انعدام وجود ممرات المشاة، وتفكك النسيج العمراني، وسوء الصيانة، لم تكن الحدائق والمتنزهات العامة المنتشرة في الأحياء الجديدة، قادرة على جذب أعداد كبيرة من الزوار والمرتادين.

وفي إطار سعي أمانة منطقة الرياض لتطوير خدماتها المقدمة للسكان وإدراكها بأهمية ممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية المختلفة داخل الأحياء السكنية وتشجيعهم على المشي، قامت خلال العشر السنوات الماضية بطرح برنامج إنشاء ساحات بلدية متكاملة المرافق والخدمات في أحياء المدينة المختلفة إضافة لتنظيم الفعاليات لدعم المجتمع مثل مهرجان ربيع الرياض والأعياد والمناسبات الوطنية، حيث تم إنشاء عدد (4) ساحات بلدية في عام 1435 هـ بمساحة إجمالية قدرها (74661) م2، تضم ملاعب رياضية وملاعب للأطفال ومسطحات خضراء وممرات للمشاة، كما تم في نفس السنة، إنشاء (6) حدائق بمدينة الرياض بمساحة إجمالية قدرها (29437,12) م2.

 

لم تكن الرياض المدينة السعودية الوحيدة التي حاولت جاهدة إعادة المدينة لإنسانيتها، بل إن معظم مدن المملكة الكبرى قطعت شوطاً كبيراً في هذا التوجه. فعلى سبيل المثال، تبنت هيئة تطوير المدينة المنورة مفهوم (أنسة المدن) والذي نتج عنه مجموعة من المبادرات والمشاريع تهدف إلى تعزيز التنمية والتلاؤم بين الإنسان ومدينته لجعلها مكاناً مناسباً بيئياً وصحياً واجتماعياً للتعايش معها. بالإضافة إلى ذلك، يعمل برنامج أنسنه المدينة المنورة على تطوير ممرات المشاة وبالذات في المنطقة المركزية والأحياء المحيطة بها بحيث تؤدي إلى سهولة تنقل المشاة ووصولهم إلى المسجد النبوي الشريف.

عالمياً في مدينة نيويورك، حدثت المواجهة التاريخية بين جين جاكوبس مؤلفة الكتاب الشهير "موت وحياة المدن الأمريكية العظيمة" (Death and life of great American Cities) وبين روبرت موسيس حاكم ولاية نيويورك لشؤون الإسكان ورئيس معرض نيويورك العالمي بداية الستينات الميلادية، عندما قررت حكومة نيويورك، وضع خطة إلى هدم وسط مانهاتن لإنشاء الطرق السريعة ومشاريع سكنية جديدة، حيث نظمت جين حملة كبيرة للحفاظ على المجتمعات الحضرية في مواجهة مشروع التنمية المدمر حسب اعتقادها. كان الدافع لإزالة المناطق السكنية العشوائية حسب اعتقاد روبرت موسيس بأن هذه المناطق كالسرطان الذي يجب اقتصاصه من المدينة، إضافة إلى تفشي الأمراض والجريمة داخلها أثناء فترة الكساد الكبير الذي شهدته معظم المدن الأمريكية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن جين ومجموعة عريضة من سكان هذه الأحياء يعتقدون بأن مشاريع الدخل المنخفض التي تم بناءها أصبحت أسوأ مراكز للتخلف واليأس الاجتماعي العام من الأحياء الفقيرة التي كان من المفترض أن تحل محلها. كما أن الطرق السريعة الجديدة مزقة المدينة إرْباً إلى قطع مفككة غير متجانسة.

 

واستجابة لمعالجة ما اقترفته حكومة نيويورك من أخطاء في التخطيط العمراني وظهور جيل من المخططين العمرانيين الذين يؤيدون ما دافعت عنه جين جاكوبس في الماضي، وضعت أهداف تشجع على زيادة الوصولية إلى الساحات العامة والواجهات المائية، تحويل بعض الشوارع المستخدمة للمركبات على شوارع مخصصة فقط للمشاة وتحسين ظروف الممرات ضمن برنامج تطوير مدينة نيويورك 2020م. كانت الأفكار والتوجهات المطروحة في كتب جين جاكوبس، ملهمة لبقية المدن في العالم التي أدركت ضرورة تغيير النهج التخطيطي المتبع والعودة إلى المسار السليم في عملية تخطيط المدن.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي