المضي نحو الجنوب نظرة مستدامة على الريف السعودي

 

يلعب الريف الزراعي دوراً مهماً وفعالاً في اقتصاديات الدول، فهو يمثل أحد ركائز التنمية في توفير الغذاء لسد الاحتياجات الغذائية المحلية أو حتى الاستفادة منها كصادرات خارجية. في المملكة يتم الاعتناء دائماً بهذا المورد على الرغم من الاعتماد الكبير في السنوات الماضية على البترول. إلا أنه ومع التغييرات التي يشهدها وطننا الحبيب، بات من الواجب أن يعاد فتح ملفات التنمية الزراعية بكل ما فيها من أراء مختلفة ومتضادة في كثير من الأحيان في سبيل رسم صورة عامة للإمكانيات المتاحة نحو إعادة تفعيل هذا التوجه بشكل أوسع وأشمل.

 

يشكل جنوب المملكة أرض زراعية خصبة تتوفر فيها عوامل النجاح الزراعي (الماء، التربة والمناخ)، فالجنوب كان ولايزال حتى اليوم يصدر العديد من المنتجات الزراعية التي تُضم إلى سلة الغذاء السعودي الطبيعي. وعلى الرغم من ذلك، فهذا الإنتاج لا يمكن اعتباره حد أعلى أو مثالي مقارنة بالإمكانيات لهذه المنطقة، فما ينتج من هذه الأراضي يعد جزء يسير من إمكانيات الحصول عليه. خصوصاً أنه يتضمن كما أشرنا عوامل النجاح الزراعي. تكمن إشكالية الزراعة في المملكة بشكل عام، في تدني نسبة الأراضي الزراعية مقارنة بالمساحة الصحراوية للمملكة، هذا التفاوت يجعل التحديات أكبر في ظل عوامل أخرى، كقضية المياه ونوعية المحاصيل الزراعية وغيرها. وهو ما يفتح باباً واسعاً للجدل حول جدوى الزراعة أو الاستيراد. حيث تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في المملكة العربية السعودية نحو (48.9) مليون هكتار تشكل (22.7%) من إجمالي مساحة المملكة في حين تبلغ مساحة الأراضي القابلة للاستصلاح (3.8) مليون هكتار، يعتمد (80) بالمئة منها على الري، بينما تعتمد المساحات الباقية على مياه الأمطار. وهذه المساحات الأخيرة يقع معظمها في منطقة جبال عسير في جنوب المملكة.

 

إشكاليات التنمية الزراعية:

تتعدد الإشكاليات والمعوقات التي تقف أمام تطور التنمية الزراعية بالمملكة، هذه المعوقات يمكن تصنيفها إلى معوقات مباشرة تتعلق بالإطار الزراعي نفسه، أو غير مباشرة تعود إلى جوانب أخرى كالتخطيط العمراني والاقتصاد. وعلى الرغم من أن هناك الكثير من المحاولات لحل هذه الإشكاليات على مدار السنوات الماضية، إلا أن الإشكالية تكمن في غياب مفهوم التنمية للريف كجزء من مستويات التخطيط والتنمية. فالقضية لا تقف عند غياب أو توفر عامل من العوامل المباشرة أو الغير مباشرة، بل يتجاوز ذلك إلى عدد من المستويات التي ترتبط بمسائل كبرى كالأمن الغذائي والخزن الاستراتيجي والتنمية الإقليمية وغيرها من المستويات التي تتطلب التقاطع بين عدد من الجهات. ولو حاولنا أن نتطرق لهذه الإشكاليات بصورة عامة، فإنه يمكن تحديد ملامح رئيسية هي على النحو التالي:

 

أولا: زحف المدن على الريف:

فالمشهد العمراني اليوم للريف السعودي وتحديداً الجنوب يبدو متحضراً جداً من حيث الجانب العمراني، سواء من خلال زيادة نسبة المباني في مقابل المساحات الزراعية، أو سواء من خلال الطرق والشوارع وإعادة تخطيط المناطق والمدن بمفهوم لا يختلف عن المدن الأخرى. دون الأخذ في الاعتبار معايير التطوير الريفي والتي يمكن أن تحقق نتائج مذهلة في ظل الحفاظ على الموارد أو الأراضي الزراعية التي تمتلكها تلك المناطق، يظهر ذلك في مدن كأبها وخميس مشيط والطائف، والتي كانت تتميز بغطائها النباتي قبل سنوات من الآن، وتراجعها اليوم مقابل مكاسب عمرانية متحضرة. كذلك يعد التوسع في النطاق العمراني لبعض المدن لتشمل قرى أو مدن ثانوية سبب آخر في تدني مستويات المناطق الزراعية مقابل المناطق الحضرية الجديدة.

 

ثانياً: غياب ثقافة الحياة الريفية:

نتيجة للتطورات الحضرية والعمرانية للريف، وكذلك سلوك الهجرة الداخلية الذي سبق هذه التطورات، تلاشت تدريجياً ثقافة الحياة الريفية من هذه المناطق. فمن المعروف أن الريف يمثل جانب ثقافي معيشي يتماشى مع أسلوب الحياة الريفية البسيطة والتي تتمحور بشكل كبير على الزراعة وتدجين الحيوانات. هذه الثقافة تكاد تكون بلا وجود هذه الأيام. فالمدن الريفية – إن صح القول بذلك – تنافس المدن الأخرى في كثير من السلوكيات والثقافات المدنية التي يمارسها سكان المدن.

 

ثالثاُ: تدني مستوى الاستثمار في الريف:

والمقصود فيه هنا الاستثمار الملائم لطبيعة الريف وخصائصه، والذي يحقق تنمية متوازنة للقرى والمدن الثانوية في الريف، من خلال بناء مجتمعات لديها المقومات الأساسية المطلوبة، من وظائف وتعليم ومراكز صحية، وضمن مفهوم تخطيطي يراعي الأولوية الزراعية لهذه المناطق. ولا يقتصر الأمر على الاستثمار الزراعي وحسب، بل هناك مجالات مختلفة يمكن أن تحقق مدخولات استثمارية، كالقطاع السياحي وفرصة تسويق المناطق الريفية كمتنفسات أو الصناعات المحلية والتراثية التي يمكن أن تكون منابع دخل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبعيده عن التنافس التجاري في المدن.

 

رابعاً: استراتيجيات الخزن:

هناك ما يقارب من (223) سداً من مختلف الأحجام للتحكم في الفيضانات بالمملكة، وتجديد المياه الجوفية والري بسعة تخزين كلية تبلغ (835.6) مليون م3. وقد أقيم سد الملك فهد في بيشا في الجنوب الغربي بسعة (325) مليون م3 في عام (1997م(، وتوجد خطط لإقامة (17) سداً آخر. حيث تعتمد المنطقة الجنوبية على مياه الأمطار في عملية الزراعة، هذه العملية تحتاج إلى تطور في عملية الخزن والتوزيع الاستراتيجي، خصوصاً أن هناك عدد من الدراسات التي تشير إلى أن نسب كبيرة من مياه الأمطار في الجنوب لا يتم الاستفادة منها، حتى ضمن إطار الخزن بالشكل المستدام. هذه المسألة تتجاوز مفهوم السدود إلى تحقيق رؤية مستدامة تقوم على فاعلية الاستفادة من الموارد الطبيعية بشكل كبير، وهو ما يتطلب تحقيق ممارسات واعية تجاه هذه الموارد للشريحة المعنية، بالإضافة إلى توظيف التكنولوجيا بشكل تدريجي لتحقيق الاستغلال الأمثل.

 

خامساً: إشكالية المياه:

أشارت التقديرات إلى أن مجموع السحب من المياه في (2006م) قد بلغ (23.7) كلم مكعب، أي بزيادة (40) في المائة عما كان عليه الحال في (1992م)، وهذا المجموع موزع بين مختلف القطاعات كالزراعة (88%) والأغراض المنزلية (9%) والصناعة (3%). وأدى ازدهار زراعة الصحراء إلى زيادة حجم المياه المستخدمة في الري إلى ثلاث أمثال ما كان عليه من قبل، من نحو (6.8) كلم مكعب في (1980م) إلى نحو (21) كلم مكعب في (2006م). ويمثل مجموع السحب من المياه السطحية والمياه الجوفية (936%) من مجموع موارد المياه المتجددة.

 

 

من أين نبدأ؟

قد يكون ما استعرضناه من إشكاليات كافي جداً للاقتناع بعدم جدوى التوجه الزراعي بالمملكة وفق منظور واسع أو كبير، والحقيقة أن هذا الرأي سيكون مناسب في حال أننا لا نسعى نحو تحقيق تحول وطني يعتمد على مصادر مختلفة لتحقيق الأمن والكفاءة الذاتية للمملكة عموماً. لكن مع هذا التحول يبدوا الأمر ضرورياً ولكن وفق منهجية ورؤية واضحة. حتى وإن اقتصرت على استغلال وتفعيل هذا الجانب لمنطقة معينة تمتلك هذه الإمكانيات، واستثمارها وفق مفاهيم التنمية المحلية. قد تكون مشكلة التنمية الزراعية عموماً في المملكة، أنها دائماً ما تؤخذ من جانب أحادي يتضمن الإنتاج الزراعي فقط، وهذه إشكالية خطيرة، فالتنمية الزراعية هي تنمية لا تختلف عن أي تنمية أخرى كالصناعية والتقنية وغيرها من حيث وجود مسارات للاستثمار أو التوطين للوظائف والأيدي المحلية، ليس في مجال الزراعة وحسب بل في مجالات أخرى كالعمران والهندسة والاقتصاد وغيرها. ولكي نغير من هذه الفكرة، من المهم أن نبدأ من حيث أنتهى أجدادنا.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثالث للسنة الثالثة

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي