جوهانسبرغ التغلب على أزمة الوسط التاريخي

 

لا تكاد هناك مدينة لم تعاني من أزمة من القلب التاريخي، أو المدينة القديمة في منطقة الوسط، فهذه الإشكالية ظلت ولا تزال أحد أكبر المشكلات التي يواجهّا المخططون خصوصاً في وقتنا الحالي. فهل نذهب مع إزالة المنطقة وإعادة بنائها أم أننا نتجه نحو الحفاظ والتطوير؟ أم يجب أن تبقى الأمور كما هي عليه؟ وعلى الرغم من محدودية هذه القرارات، إلا أن الأمر أصعب عندما يكون القرار حول هذا الوسط، فالمسألة هنا ليست قرارات فردية، بل هي أراء تمثل مثالج مختلفة ومتعارضة، لا تزال مثار جدل بين الفئات المعنية حول الخطوة المفترض القيام بها تجاه هذا الوسط حتى يومنا هذا. جوهانسبرغ كان لها توجه يمكن اعتباره نموذج لهذه الأزمة، سواء من حيث أبعاد المشكلة أو من حيث التفكير في حل للخروج من الأزمة. في هذا العدد من تجارب تنموية، سنستعرض هذه القصة بشيء من التفصيل.

 

كأي وسط مدينة عريقة في القرن العشرين، عانت منطقة الوسط التاريخي أو المدينة الداخلية، التي تعد جوهر مدينة جوهانسبرغ التاريخي. حيث شهدت المدينة الداخلية انخفاضاً حاداً بدأ في أوائل (1950م) عندما قرر مجلس المدينة للانتقال إلى الضواحي الجديدة. تلى ذلك رصاصة الرحمة التي أطلقها القائمون على المدينة في عام (1960م) عندما تغيرت أنظمة وقوف السيارات في المدينة القديمة لتقييد استخدام السيارات دون القيام بأي تحسين في المقابل لوسائل النقل العام، مما اضطر الشركات إلى الانتقال من المدينة القديمة نحو الأحياء الجديدة، الأمر الذي ساهم في ترك العديد من المباني الشاغرة. لم يكن يتصور أحد حينها أن قرار مثل هذا القرار البسيط سيقلب الدنيا رأس على عقب بالنسبة للمدينة القديمة. حيث أصبحت هذه المباني الشاغرة، فرص سكنية مناسبة للمهاجرين الذين وصلوا إلى المدينة في ظروف اقتصادية سيئة بالنسبة لها، في ظل غياب الأماكن العامة، وانعدام تقديم الخدمات، وارتفاع معدلات الجريمة، وتراجع حاد في الاستثمار الذي كان يعد سمة للوسط التاريخي لجوهانسبرغ.

 

التخطيط

حتى الثمانينيات، لم تبذل سوى جهود قليلة لتجديد مدينة جوهانسبرغ الداخلية. وقد بدأ مجلس مدينة جوهانسبرغ أول محاولة لوضع خطة لتنشيطها في عام (1986م) إلا أنه ولأسباب سياسية توقفت هذه المبادرة، وفي أوائل عام (1991م)، قام القطاع الخاص بتنظيم حلقة عمل متعددة القطاعات وأصحاب المصلحة بشأن القضايا الحضرية، والتي أسفرت عن نشر وثيقة رؤية بعنوان (المبادرة الاستراتيجية لجوهانسبرغ التاريخية). واقترحت الوثيقة إنشاء شراكة ثلاثية بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع فضلاً عن وكالة تنمية مستقلة لا تستهدف الربح. وقد أنشئت هذه المؤسسة الأخيرة في عام (1992م) وكانت تسمى شراكة وسط جوهانسبرغ. إلا أنه ولأسباب سياسية تأخر عمل هذه الشراكة حتى عام (1995م)، حيث تم تغيير الترتيب الثلاثي للشراكة؛ بحيث مثلت مصالح المجتمع من قبل (منتدى جوهانسبرغ المجتمع المحلي)، وتم تمثيل القطاع العام من خلال (مجلس المدينة)، ومثلت (شراكة وسط جوهانسبرغ) مصالح القطاع الخاص من خلال إدارتها الخاصة. أبرز ما جاء في هذا الترتيب هو إدخال مقاطعات تحسين الأعمال في عام (1993م) أو كما يطلق عليه في جنوب أفريقيا مقاطعات تحسين المدن. وتم صياغة رؤية للمدينة أو ما عرفت بـ(جوهانسبرغ: القلب الذهبي لأفريقيا) التي دعت إلى مدينة من شأنها أن تكون: (1)صالحة للعيش وآمنة (2)محورها الناس (3)ويمكن الوصول إليها (4)ديناميكية (5)تدار بشكل جيد.

وركزت الاستراتيجيات المبينة في الرؤية على التحسينات البيئية؛ تطوير البنية التحتية؛ والحد من الجريمة، والازدحام، والتشرد؛ وتحسين الخدمات العامة من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص. وقد تباطأت مرحلة تنفيذ هذه الرؤية بسبب العوائق السياسية وتدني مستوى التمويل، بما في ذلك عدم وجود سلطات مركزية في اتخاذ القرارات. الأمر الذي أدى إلى إنشاء مكتب المدينة الداخلية، الذي سُمي فيما بعد باسم (وكالة التنمية في جوهانسبرغ) في عام (1998م) كذراع متخصص لإدارة المشاريع في مجلس العاصمة الكبرى في جوهانسبرغ. وكانت مسؤوليات هذا المكتب هي تنسيق جميع الأنشطة والمشاريع المتعلقة بالمدينة الداخلية، وتنفيذ استراتيجية المدينة الداخلية التي وضعتها اللجنة. إلا أنه لم تتحول مهمة هذا المكتب لواقع للأسباب الأخرى التي أشرنا إليها.

ومن أجل ضخ طاقة جديدة في عملية التجديد، أعلن عمدة السلطة التنفيذية في عام (2006م) أن قمة المدن الداخلية ستعقد في عام (2017م) من أجل حشد أصحاب المصلحة نحو إعادة تركيز جدول أعمال التجديد، والاتفاق على القضايا الهامة ذات الأهمية، ووضع برنامج تنموي. وبعد شهور من المشاورات المكثفة بين أصحاب المصلحة، تم نشر ميثاق تصور مدينة داخلية مجددة. ودعا إلى استعراض جميع البرامج السابقة لتحديد الدروس المستفادة. واقترح أيضاً أن تقوم المدينة بتطوير (أماكن الشراكة) المرافق العامة التي يمكن تطويرها وإدارتها بشكل مشترك كشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويضطلع القطاع الخاص بدور رئيسي فيما يتعلق بالإسكان. وأخيراً، والأهم من ذلك، أوصى الميثاق بتحديد نطاق خطة التنمية المكانية للمدينة الداخلية ككل. وعلى الرغم من الطابع الشامل للميثاق، فقد تلقت انتقادات بسبب الافتقار إلى آليات الإنفاذ وعدم تمكنها من تحقيق جميع أهدافها المعلنة.

في عام (2013م)، أصدرت مدينة جوهانسبرغ المسودة النهائية لخارطة طريق التحول الداخلي للمدينة. وهدفت خارطة الطريق إلى تحويل مدينة جوهانسبرغ الداخلية استناداً إلى خمس ركائز شاملة للأهداف القصيرة والطويلة الأجل التي يتعين تحقيقها من خلال المبادرات والشراكات. وقدمت خارطة طريق المدينة الداخلية إطاراً لمدينة جوهانسبرغ لوضع استراتيجية النمو والتنمية لعام (2040م) للمدينة الداخلية.

 

التمويل

اعتمدت المدينة في توفير التمويل على المنح من عدة جهات، مثل حكومة مدينة جوهانسبرغ المحلية، ومنح من الإدارات الحكومية الأخرى، والخزانة الوطنية، وإدارة الأشغال العامة، والخيارات العامة والخاصة المحددة فيما يتعلق بمبادرات إنمائية محددة. وتستند اللجنة إلى ميزانيتها التشغيلية من رسوم قدرها (5%) على جميع المشاريع، بما في ذلك المشاريع العامة لمدينة جوهانسبرغ. إلا أن المحرك الأكبر في هذا التمويل كان ولايزال القطاع الخاص، خصوصاً في مجال العقار، حيث استثمر القطاع الخاص ما يقدر بنحو (405) مليار روبية في مجال تطوير العقارات.

 

التنفيذ وتعمل الهيئة حالياً في مرحلتها التنموية الثالثة على تنفيذ خطة (جوبورغ 2040) من خلال دعم وتطوير ما يعرف بـ(ممرات الحرية) وهي عبارة عن شرايين نقل جيدة التخطيط ترتبط بالتداخلات التي تتميز بالتنمية المختلطة الاستخدام بين عدد من القطاعات، كالسكنية والتجارية والصناعية في ظل مشاركة القطاع الخاص. وفيما يلي أهم هذه المبادرات

 

المبادرات القائمة على المناطق

واستهدفت هذه المبادرات إعادة تأهيل الأحياء التي كانت استراتيجية لتجديد المدينة الداخلية ككل. وقد أجريت هذه التدخلات بطريقة مخصصة وفقاً لرؤى واستراتيجيات مختلفة. وجاءت الهيئة بعد نموذج تجدد يقوده العقار، واستثمرت أموالاً عامة كبيرة خصصت لمناطق معينة في المدينة الداخلية. وحققت هذه المبادرات انخفاضاً في معدلات الشاغر في العقارات من (40%) في عام (2003م) إلى (17%) في عام (2008م) وما صاحبها من قفزات في نسبة التملك.

 

تحسين المساحات العامة

وشاركت الهيئة مع القطاع الخاص في تطوير وتحسين الأماكن العامة باستخدام تدخلات بسيطة مثل المساحات الخضراء والإضاءة والأرصفة. واستهدف ميثاق تجديد المدن الداخلية ما لا يقل (5%) من المساحة داخل منطقة التنمية الحضرية للمدن الداخلية التي ستوضع كفراغ عام.

 

 

مناطق التنمية الحضرية

ولتشجيع مشاركة القطاع الخاص في التجديد الحضري وتسريع وتيرة التجديد، أطلقت وزارة المالية برنامجاً للحوافز الضريبية الوطنية في عام (2003م) للسماح للبلديات بتحديد مناطق التنمية الحضرية وفق المجالات المحددة في خطة التنمية المتكاملة. ويأخذ الحافز الضريبي شكل الاستهلاك المتسارع من الدخل الخاضع للضريبة لدى دافعي الضرائب المؤهلين إذا كان هذا الدخل ناتجاً عن تشييد أو تمديد أو تحسين أو إضافة إلى مبنى بأكمله. وينطبق الحافز أيضاً على شراء المباني داخل اتفاقية التنوع البيولوجي مع بعض القيود.

 

مناطق تحسين المدينة

وبوجه عام، فإن منطقة تحسين المدينة هي منطقة جغرافية يوافق فيها أصحاب الأملاك على دفع تكاليف الخدمات التكميلية وتحسين البيئة الحضرية، بما في ذلك التدابير الأمنية، وترقية المناطق الحضرية، وجمع القمامة، وتصميم الأماكن العامة والحفاظ عليها. وتحدد إدارات الاستثمار الأجنبي لفترة أولية مدتها ثلاث سنوات. وقدم الميثاق أول مفهوم لمناطق تحسين المدن إلى جوهانسبرغ كاستجابة لتراجع الخدمات العامة.

 

تدابير منع الجريمة

ومن أجل الحد من الجريمة، وضعت جوهانسبرغ استراتيجية متعددة الوكالات لمنع الجريمة تضمنت كياناً ممولاً من القطاع الخاص يسمى (الأعمال التجارية لمكافحة الجريمة في جنوب أفريقيا)، وهي شركة لا تستهدف الربح مع مجلس إدارة يضم قادة الأعمال المحليين. حيث يتم دفع تكاليف هذه الشركة من الضرائب المحصلة من الشركات في المناطق الآمنة أو المحمية.وانخفضت الجريمة في المناطق بنسبة تصل إلى (85%).

 

برنامج أفضل للمباني

وأقرت لجنة (العمارة ووحدة التنمية الاقتصادية) برنامج المباني الأفضل ليحل محل برنامج سابق لم يشهد سوى نجاح محدود. وكان الغرض الرئيسي من البرنامج الجديد هو تسهيل مصادره وبيع المباني المهجورة في المدينة الداخلية إلى كيانات القطاع الخاص التي لديها القدرة ورأس المال لإعادة تأهيلها وإدارتها.

 

النتائج والدروس

بدأ جوهر عملية الرؤية للمدينة الداخلية في عام (1996م)، واستمر حتى الوقت الحاضر مع سلسلة من القرارات، والتخطيط، وتنفيذ العمليات. وكانت أهم نتائج هذه العمليات هي تطوير مجموعة متنوعة من الهياكل التي نشطت أصحاب المصلحة المسؤولين، بما في ذلك: مثل منتدى تنمية المدن الداخلية، وإنشاء مكتب المدينة الداخلية، الذي أصبح فيما بعد وكالة تنمية جوهانسبرغ. حيث يعد الوسط التاريخي لمدينة جوهانسبرغ مركز النشاط الاقتصادي في منطقة العاصمة بسبب جهود التجديد التي قادها أصحاب المصالح المشتركة على مدى العقدين الماضيين. ويعيش ما يزيد عن (400) ألف شخص في المنطقة، ويمر حوالي (1) مليون شخص عبر المدينة الداخلية كل يوم. كما تستضيف العديد من الشركات الصغيرة وتجار التجزئة المحليين، المملوكة أساساً من قبل شريحة الدخل المنخفض.

إلا أن الدرس الأكبر في هذه المسيرة التنموية يكمن في: مدى صعوبة تطوير القلب التاريخي للمدن، فعلى مدار (22) سنة لم تحقق مدينة جوهانسبرغ رؤيتها التي بدأت منذ القرن الماضي، ولعل المرحلة العقلانية التي وصلت إليها في عام (2013م) من خلال استعراض ودراسة جميع القرارات والمبادرات السابقة كان نقطة الانطلاق الحقيقة بالنسبة لتنمية الوسط التاريخي. عوضاً عن الاستمرار في الحركة في حلقة مفرغة لتكرار القرارات بمسميات وأشكال مختلفة. وعلى الرغم من أن ما تنوي القيام به مدينة جوهانسبرغ لا يزال في بداياته، إلا أن مجرد وجود رؤية واضحة يتفق عليها أصحاب المصالح المختلفة يعد الخطوة الأولى نحو إعادة تفعيل هذه المناطق ضمن النطاق المعاصر للمدن.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثالث للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي