تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الواجهات الخضراء بساطة الفكرة وصعوبة التنفيذ

 

 تعتبر الواجهات الخضراء أحد أبرز الحلول التي يوظفها المعماريون في تصاميمهم مؤخراً، هذه الواجهات تعد نوع من التوجه البيئي الذي يحاول أن يجعل من المباني أكثر توافقاً مع البيئة وتصب في مصلحتها وبالتالي مصلحة البشرية. وعلى الرغم من هذا الانتشار لحل الواجهة الخضراء، إلا أن الكثير يفوتهم العديد من التفاصيل التي يتطلب وجودها لمثل هذا الحل الأخضر، فالمسألة تتجاوز جمالية واجهة مبنى تضم بعض النباتات!

ييعود استخدام النباتات في الواجهات المعمارية إلى حقبات سابقة، فالحضارة البابلية تعد من أوائل الحضارات التي وظفت النباتات ضمن الإطار المعماري بحدائقها المعلقة. إلا أن هذا التناغم بين الطبيعة والعمارة لم يحظى باستمرارية طوال حقبات التاريخ، الأمر الذي جعل العمارة والطبيعة جزئيين منفصلة تماماً. يرى البعض أن عالم النبات الفرنسي (باتريك بلانك) هو الأب الروحي للواجهات الخضراء الحديثة، والمخترع الفعلي لهذا النظام. بينما يفضل البعض الآخر القول بالفضل لـ(ستانلي هارت وايت) والذي حصل على براءة اختراع في عام (1938م) لتحسين الطوب النباتي واستخداماته في البناء.

اليوم يطلق الجميع مصطلح الواجهة الخضراء على أي عنصر معماري مغطى بالغطاء النباتي، بل أن هناك عدد من المصطلحات التي تستخدم ضمن هذا السياق كالجدار الأخضر وجدار النباتات والحديقة العامودية وغيرها من المصطلحات التي تدور في نفس المجال. مع العلم أنه بات مؤخراً استخدام (الجدار الأخضر) كتوصيف للفراغ الداخلي فقط.

 

ما جدوى الواجهة الخضراء؟

لا يرتبط نظام الواجهات الخضراء بالجوانب الجمالية وحسب، هناك مكاسب يتم تحقيقها من خلال تطبيق هذا النظام على المباني. لعل أهم هذه الفوائد هو قدرة الواجهات الخضراء على التقليل من الغبار من خلال عدم السماح بانتقاله ومنعه، وبالتالي التقليل من تلوث الهواء. فهي تلعب نفس الدور الذي تلعبه الأشجار في حجز الأتربة والرياح، إلا أن جدواها تكمن في العمر القصير نسبياً في وجودها مقارنة بالأشجار والتي تأخذ سنوات طويلة لتنمو وفق شروط ومتطلبات لابد من توفرها. أيضاً تلعب الواجهات الخضراء دوراً كبيراً في مسألة الغطاء النباتي وتوفره ضمن النطاق العمراني، في ظل محدودية المساحات الخضراء داخل المدن لأسباب قد تكون عمرانية أو اقتصادية، ولذلك فالواجهات الخضراء تعد مثالية لإحداث عملية التوازن البيئي في المناطق الحضرية. تساهم أيضاً الواجهات الخضراء في تخفيف الحمل الحراري للفراغ الخارجي، والذي عادة ما تساهم في زيادته عناصر حضرية أخرى كالإسفلت أو الزجاج أو الرخام. تتم هذه المساهمة من خلال عدة مستويات كالتظليل وعدم الانعكاس لأشعة الشمس بالإضافة إلى عمليات التبخر الذي تنتجه النباتات والذي يساهم في تخفيف حرارة الجو. هذا بالإضافة إلى الفراغ الداخلي، حيث تشير الإحصائيات أن درجة حرارة واجهة خضراء هي أقل في فترة الصيف ب(20) درجة مئوية من واجهة خرسانية. وفي المناطق التي تحظى بفترات ماطرة، تعتبر الواجهات الخضراء حل لإدارة المياه عموماً والتقليل من الفيضانات التي تحدث داخل المدن بإعادة استخدام المياه في ري هذه الواجهات.

 

أنظمة الواجهات الخضراء:

تتعد الأنظمة المستخدمة لتنفيذ الواجهات الخضراء وتختلف وفق المعطيات، فلكل مبنى ظروفه الخاصة ولكل تصميم متطلباته وأهدافه، ولذلك يجب أن يكون النظام الخاص بالواجهات الخضراء متوافق مع المتطلبات الأخرى حتى لا يتحول الأمر إلى عمل كارثي. وسوف نستعرض أبرز الأنظمة المستخدمة في الواجهات الخضراء على النحو التالي:

 

أولاً: نظام الحاويات:

ويعد من أبسط الأنظمة وأقدمها، حيث يعتمد على تضمين حاويات زراعية ضمن الواجهة ليتم زراعتها بالنباتات الملائمة. هذه الحاويات يتم حسابها ضمن النظام الإنشائي أثناء تصميم المباني، مع مراعاة الأحمال الحية والمتوقعة لاحقاً لنمو النباتات. تكمن سلبيات هذا النظام في محدودية البناء لكامل الواجهة، بالإضافة إلى التكلفة العالية كونها تعتبر ضمن نطاق البناء الأساسي. البعض يضيف مثل هذا النظام لاحقاً بحسب الإمكانيات في المباني القائمة مسبقاً. إلا أنه لا يزال هذا النوع من الأنظمة متطلب للعديد من الاحتياجات كنظام السقاية وخطة الصيانة والمتابعة الدائمة.

 

ثانياً: نظام النباتات المتسلقة:

وهذا النظام يمكن تقسيمه إلى خيارين، الأول: بدون وجود هيكل حامل، وهو ما يعني الاعتماد على نوعية محددة من النباتات المستلقة وزراعتها بشكل محدد ليتم نموها على كامل الواجهة تدريجياً. هذا الخيار له بعض السلبيات خصوصاً فيما يتعلق بمسألة الجذور والأغصان وكيف يمكن أن تؤثر على الهيكل الإنشائي للمبنى أو الخدمات الملحقة به نتيجة لهذا التلاصق بين النباتات والمباني. أما الخيار الثاني: فهو بوجود هيكل داعم، وهو ما يتطلب أن يكون هناك هيكل خارجي داعم يتم من خلاله تسلق النباتات بشكل مباشر، هذا الهيكل عادة ما يتم دراسته وفق احتماليات نمو النباتات مسبقاً، وتقديم تصور نهائي للشكل الأخير. وهذا الخيار يأتي ضمن نطاق تصميم المبنى كجزء منه أو بشكل مفصول يتم إضافته لاحقاً.

 

ثالثاً: نظام الواجهات الغير ترابية:

في هذا النظام لا يتعامل مع التربة كعنصر من عناصر أنظمة الواجهات الخضراء، حيث يعتمد أكثر على مبادئ الزراعة المائية، والتي لا تعتمد على التربة بشكل أساسي، بل بتوفير المتطلبات الغذائية للنباتات عبر نظام أنبوبي مغلق في ظل توفر ضوء الشمس. هذا النظام يتطلب مراعاة أثناء عملية التصميم، ويعد من الأنظمة التي تحتاج إلى صيانة دائمة، ومع ذلك فهو يعتبر من أكثر الطرق استدامة كونه يعتمد على إعادة التدوير بشكل موسع جداً ويعتمد على ما يعرف بالزراعة العضوية. وبشكل عام لا يحتاج إلى استثمار كبير أو إلى تقنية عالية لتنفيذه وتشغيله كما أنه ليس بحاجة إلى طاقة كبيرة.

هذا النظام يعد مثالي للاستخدام على أسطح المباني، خصوصاً في كثير من المدن العربية ذات المناخ الجاف أو الصحراوي، حيث بهذه التقنية سيتم توفير جزء مهم من المواد الغذائية لسكان تلك المدن دون الحاجة إلى استيراد كميات كبيرة من الخضروات بأثمان باهضه, وقد أثبتت عدة تجارب عالمية وعربية نجاح أنظمة الزراعة المائية في توفير جزء مهم من الأطعمة الصحية ورخيصة التكاليف.

 

 

الصيانة والتشغيل: نظرة عامة

وتعد هذه القضية من أهم القضايا المتعلقة بالوجهات الخضراء، كونها تعتبر واجهات (حية). فكما هو الحال بالنسبة للكائنات الحية عموماً، فإن النباتات تتطلب الكثير من الرعاية العادية والمهنية على حد سواء. وتتعدد المشكلات فيما يتعلق بالواجهات الخضراء لارتباطها المباشر مع المباني، وبالتالي فإن عمليات الإهمال أو عدم الصيانة الفعلية والمناسبة، قد تؤدي إلى نتائج وخيمة سواء على المستوى البيئي أو العمراني أو حتى على المستوى البصري والجمالي للمبنى والمدينة عموماً.

أول نقاط الصيانة والتشغيل تكمن في مسألة الري وإدارة المياه للنظام المستخدم، والذي يجب أن يتم تصميمه وتنفيذه بشكل جيد ومناسب للظروف التي يتواجد بها. بالإضافة إلى نوعية النباتات المختارة، فمن الواجب معرفة النباتات المتاحة محلياً، هل تتناسب مع الأنظمة الخاصة بالواجهات الخضراء، أم أنها غير مجدية وتتطلب الكثير من الرعاية الإضافية.

ولا يختلف الأمر بالنسبة للواجهة الخضراء عن الحديقة على الأرض، من حيث عمليات الصيانة والمتابعة والتدخل والتنسيق، إلا أن الأمر الإضافي هنا هو الارتفاع! فما هي المستويات التي يمكن معها تنفيذ هذه الأعمال؟ وهل يمكن جدولة ذلك ضمن مبالغ التشغيل والصيانة أثناء فترة تشغيل المبنى؟ وهل سيكون ذلك مكلفاً بالنسبة للمالك؟ ولأي مدى يمكن استرجاع هذه التكلفة؟ كل هذه الأسئلة مطروحة عندما يتم مناقشة صاحب المبنى حول خيار الواجهة الخضراء، إلا أن السؤال الأهم أو المسألة الأهم في هذا السياق، تكمن في الوعي الاجتماعي تجاه مفهوم الواجهات الخضراء وأهميتها، فهل يمكن لمثل هذا النظام النجاح في بيئتنا؟ بينما تعاني الحدائق التقليدية في كثير من الأحيان من أبجديات الصيانة والمحافظة؟ وهل يمكن تفعيل مثل هذا الحل ضمن بيئة عمرانية تتطلب العديد من الإجراءات المهمة نحو الحفاظ على البيئة؟

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثالث للسنة الثالثة

 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر