تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

عولمة الحارة الحي السكني وتطلعات الجيل الرابع

 

يرتبط المسكن والحي بثقافة السكن لدى المجتمعات، حيث ينعكس مفهوم المعيشة والحياة على فراغات وشكل المسكن والحي، بل وحتى المدينة. في السنوات الماضية كان الحديث يدور دائماً عن أزمة السكن في المدينة السعودية، نتيجة لعدد من الأسباب التي تطرقنا لها في أعداد سابقة. من هذه الأسباب هو (تصميم المسكن) والحيز الذي يتخذه ضمن الفراغ الحضري في المدينة السعودية متمثلاً في شكل تخطيط الأحياء السكنية. بعض المختصين ذهب إلى أن السبب يكمن في تخطيط الحي السكني ومساحة الأرض، والبعض الآخر تجاوز الحي لتصميم المسكن نفسه، حيث يرون أن إعادة تصميم المسكن السعودي يمكن أن يكون مدخلاً نحو حل هذه الإشكالية. وأياً كان التوجه، يبقى السؤال المطروح دائماً هو: ما هي المعايير لإعادة التصميم؟ وكيف يمكن تنفيذها ضمن مسار النتائج المرجوة؟

 

الخروج من الصندوق

في هذا العدد حاولنا أن نخرج عن القوالب المعتادة التي شكلت أطر ومحددات لكثير من الحلول المطروحة نحو إعادة تصميم المسكن، كالبيئة المحلية والهوية وفرضيات الثقافة الاجتماعية، لا لعدم أهمية هذه القوالب! ولكن لطرح رؤية أوسع عن ما يمكن الوصول إليه لتصميم المسكن والحي السعودي الجديد وفق المعطيات الحالية وفي ظل التطورات الحاصلة. فما الذي سيحدث لو تجاوزنا (نظرياً) هذه القيود لفتح باب نقاش حول الإيجابيات والسلبيات الممكنة من تبني نموذج سكني غربي على سبيل المثال؟ أليست المدينة السعودية بمخططاتها الشبكية تعد نموذجاً مختلفاً عن النموذج التقليدي؟ فما المانع من طرح فكرة (التغريب) على المسكن نفسه! نموذج التغريب المختار لهذا الملف يتمثل في نموذج المساكن المتجاورة أو ما يعرف بـ(Terraced Houses) أو (Townhouse) في المصطلحات العمرانية للمدن الغربية. كنموذج لتخطيط المسكن والحي السعودي المستقبلي. ولا يعني ذلك صحة النموذج وتطبيقه على أرض الواقع، بقدر ما يهدف إلى التوغل أكثر في قضية المسكن من زاوية عمرانية بحتة. وفق الفرضيات التالية:

 

الجيل الرابع.. مختلف

لا يمكن تجاهل بأن الجيل الجديد للمجتمع السعودي، يختلف بشكل كبير عن الأجيال السابقة. سواء كان هذا الاختلاف في رؤيته للحياة أو المسكن أو المدينة، أو من حيث تعامله مع الموروث الاجتماعي والعادات والتقاليد. ولا يعني ذلك أن هذا الجيل الجديد قد أنسلخ من الجذور القديمة له، بل المقصود هو اتساع دائرة الحوار حول ما هو مناسب أو غير مناسب للوضع الراهن من عادات وتقاليد وأفكار. والحقيقة أن هذا النمط التفكيري نحو البيئة العمرانية عموماً والمسكن بشكل خاص، ليس وليد اللحظة، بل أنه نتيجة لعدد من الممارسات المجتمعية لعدد من الأنشطة خلال السنوات الماضية، والتي انتهت لقرارات نهائية تجاه النشاط وكيفية ممارسته. يظهر ذلك بوضوح على سبيل المثال، في الزيارات العائلية والتي انتقلت من حيز المسكن إلى الفراغ الخارجي (الاستراحة) كمكان لقضاء الوقت وممارسة هذا النشاط، الأمر الذي يطرح تساؤل حول جدوى مساحات الاستقبال في منازلنا وحيزها الفراغي. فهل لا يزال المسكن السعودي يحتاج لهذه المساحة؟ أو هل لا يزال يحتاجها ضمن شكلها الرسمي؟ أم يمكن إعادة دمجها بشكل مرن كفراغ مستخدم لتأدية عدد من الأغراض؟ كذلك الأمر بالنسبة لتغير نمط السكن، فخلال السنوات الماضية أصبحت الوحدة السكنية (الشقة) هي نموذج سكني مقبول لدى العائلة السعودية، في ظل وجود حيز مشترك بين سكان العمارة الواحدة وعلى اختلاف ثقافاتهم، بل أن هذا القبول تجاوز حد السكن المؤقت إلى أن يكون بيت العمر. هذه الممارسات وغيرها مهدت ولاتزال لإمكانية تغير المسكن السعودي بشكل كبير. خصوصاً أنها تمثل ممارسات شبه تقليدية للجيل الجديد الذي عاش وتربى في ظل هذه البيئة.

 

الأسرة السعودية:

لا يقف الأمر عند حد الممارسات السابقة بالنسبة للجيل الجديد، بل يتوسع إلى مفهومه ورؤيته تجاه المعيشة والمدينة على حد سواء. كنا قد طرحنا في عددنا السابق هذا التحول لفكر الشباب وعلاقته بالفراغ الحضري. فنظرت الجيل الجديد اليوم تختلف عن الأجيال السابقة في تعريف الفراغ، ولا يزال هذا الفكر يتجدد بحكم ما يتم اكتسابه من ثقافات تعد شبه عالميه. إلا النقطة الأهم في سياق المسكن السعودي، هي محاولة قراءة تكوين الأسرة السعودية المستقبلية واحتياجها للفراغ. فمع اتساع دائرة المشاركة للمرأة السعودية في عدد من الأنشطة الخارجية، وإعادة تشكيل علاقتها مع المدينة، يمكن القول بأن هذا الاتساع سينعكس بشكل مباشر على المسكن نفسه كون المرأة أو (الأم) تمثل النصف الآخر من معادلة تكوين الأسرة السعودية. هذا العامل لم يكن متاحاً من قبل، ولذلك كانت قراءة المسكن السعودي عادةً ما تتم من منظور نسائي، بمعنى أن الفراغ السكني كان يمثل حدود الممارسة للكثير من الأنشطة المتعلقة بالنساء (الأمهات/الفتيات)، ولذلك أشار عدد من المختصين إلى توسع واستقلال الفراغ النسائي داخل المسكن في تلك الفترة، كأن يكون مجلس النساء مستقل وليس ملحق بالمعيشة أو يتم عزل مجلس الرجال خارج حدود المنزل (كالديوانية الخارجية) في حال توفر المساحة. ولا يعني ذلك أن هذا النموذج غير قائم أو متواجد الآن، لكن هناك قابلية كبرى لأن يتغير مع الوقت ومع استجابة المجتمع والمدينة على حد سواء لهذه التغييرات الاجتماعية.

 

الاقتصاد كمحدد مهم:

لا يمكن إغفال الاقتصاد كفرضية ثالثة في مسألة تحول المسكن السعودي، نقصد بالاقتصاد عدد من المفاهيم المرتبطة بالمسكن، كتكلفة البناء، والقدرة المادية، وحتى جودة التصميم والبناء نفسه. بل أن اليوم يتجاوز مفهوم الاقتصاد مرحلة تكاليف البناء أو الشراء إلى مرحلة التشغيل نفسها، فتكلفة الطاقة نفسها تغيرت عن السابق، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة حول المسكن السعودي مستقبلاً. هل سيكون الساكن الجديد قادر على دفع تكاليف مسكن يفوق احتياجه المعيشي؟ هل سيتغير البناء الصندوقي للاستفادة من المساحة الكلية للأرض في سبيل توفير تكاليف الطاقة؟ ماذا عن التقنيات الجديدة لتقليل استهلاك الطاقة؟ مواد البناء؟ مساحات الغرف؟ كل هذه أسئلة واردة أن تطرح خلال الفترة القادمة عندما يكون الحديث عن المسكن المسعودي وإعادة صياغته.

 

العودة إلى الحي السكني:

في السنوات الماضية، ظهر عدد من أنماط المسكن السعودي التي نافست المنزل المستقل أو (الفيلا) على كامل الأرض. فكانت الوحدة السكنية (الشقة) وأيضاً الفيلا المزدوجة (دوبلكس) كممارسات لتقليص المساحة والتمشي مع المتغيرات في مفهوم البيئة السكنية لدى المجتمع. وبشكل عام تمكنت هذه النماذج من الاندماج في الأحياء السكنية بشكل وبآخر مسببه عدد من المشكلات الحضرية، كقلة المواقف وعدم وجود فراغ عام، وارتفاع الكثافة السكانية داخل الأحياء السكنية والضغط على الخدمات ومخالفة أنظمة البناء، بل وتدني مستوى جودة المعيشة وغيرها. والسبب يعود في ذلك إلى أن تخطيط الحي السكني لم يستوعب هذه النماذج كنماذج أساسية لها متطلباتها واحتياجاتها. فعملية التطوير العقاري كانت تقوم ولا تزال على تحقيق مكاسب مادية على حساب البيئة العمرانية تمثلت في مساحة الأرض تارة أو توفير الفراغ السكني تارة أخرى.

 

 

نموذج المساكن المتجاورة:

يعود تاريخ المساكن المتجاورة أو (Terraced Houses) أو (Townhouse) إلى القرن السادس عشر وتحديداً في بريطانيا، حيث كان نموذج لفئة الطبقة المخملية والإقطاعيين الذين كانوا يمتلكون أكثر من مسكن بين المدن والريف، وسرعان ما أنتشر هذا النموذج في الأوساط الأوروبية عموماً، لينتقل بعدها إلى مناطق أبعد مثل أُستراليا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة لاحقاً، ماراً بعدد من العوامل التي أثرت على الفكرة الأساسية. يميز هذا النموذج الامتداد الطولي والعميق للمنزل مقارنة بالواجهة الضيقة، في ظل زيادة عدد الطوابق لتعويض المساحة رأسياً. هذا النموذج الأولي تطور كما أشرنا مع الوقت وبحسب البلدان المختلفة والتطور لأنظمة البناء ليضم عدد من العناصر الإضافية، أهمها هو الحديقة الخلفية والتي تمتد لمسافة أقل بقليل من طول المبنى نفسه. كذلك الأمر بالنسبة للفصل بين الطابق الأرضي والطوابق العلوية كوحدات مستقلة، ولذلك يرى بعض المختصين أن هذا النموذج يعد بمثابة النواة لنماذج سكنية ظهرت لاحقاً مثل الوحدات السكنية (الشقق) أو الفلل المزدوجة (الدوبلكس). اليوم يعد هذا النموذج شائعاً في المدن الأوروبية والأمريكية بل وحتى أُستراليا واليابان، خصوصاً لمن يفضلون السكن داخل المدن عن السكن في الضواحي.

 

نظرة عن كثب:

هناك مميزات أخرى لهذا النموذج كانت وراء انتشاره في كثير من بلدان العالم، فنتيجة للتلاصق بين الوحدات السكنية على الجدارين الجانبين وقل عرض الواجهة الأمامية، يعد هذا النموذج حل مثالي لزيادة عدد الوحدات السكنية في مساحات حضرية صغيرة. أيضاً يعتمد هذا النموذج من حيث التخطيط على الشوارع الأحادية الاتجاه، وهو ما يوفر نسبة الشوارع مقارنة بالعناصر الأخرى، كأرصفة المشاة على سبيل المثال، والتي تكون بعرض واسع يسمح بمرور المشاة بكل حرية على الطرفين مع فصلها عن الشوارع بعناصر التشجير أو السياج. وهو ما يحقق جودة مثالية إلى حد ما فيما يتعلق بمعايير تخطيط الحي السكني.

ولا يعني ذلك أن هذا النموذج من المساكن يخلو من السلبيات التي قد تؤثر على كفاءته، فهو محكوم بعدد معين من أفراد الأسرة أو شاغليه، والذي عادة لا تتجاوز الأربعة أفراد. كما أن البعض يرى بأن هذا النوع لا يعد مثالياً لأنشطة الأسرة مقارنة بالنموذج المستقل والمتضمن للحديقة الأمامية والخلفية وموقف السيارة الخاص. كذلك المواقف تعد نقطة محورية في هذا النموذج، حيث عادة ما تكون محدودة على طرفا الشارع وبشكل طولي (موازي) للشارع، ولذلك يعتمد سكان هذا النموذج على المواصلات العامة أو التنقل مشياً أو استخدام الدراجة الهوائية.

 

إمكانية التطبيق محلياً:

قبل أن نخوض في شكل التطبيق المحلي لمثل هذا النموذج، يتوجب علينا الوقوف على عدد من النقاط الأساسية. أولها أن هذا النموذج قد يكون ممكن ضمن نوعية النمط التخطيطي المستخدم في أحيائنا السكنية أو ما يعرف بالنمط الشبكي. الأمر الآخر هو المعالجة المعمارية للفراغ المعماري نفسه، وكيف يمكن توظيفه بشكل يحقق معايير الخصوصية للمجتمع السعودي، كالمدخل المنكسر أو تدرج الخصوصية لهذا النموذج صعوداً، كأن يتم تخصيص الدور الأرضي للمعيشة، بالإضافة إلى الاستقبال الشبه رسمي في أدنى مستوياته. بينما تُخصص الأدوار العلوية للفراغ الخاص كغرف النوم.

قد تكون الإشكالية في الفراغ الخارجي الخلفي للمسكن، وكيف يمكن تحقيق خصوصية أكبر دون توظيف أو استخدام حواجز عالية، هذا يتطلب دراسة للبروز وزوايا النظر، وقد يمكن تحقيقها من خلال التنظيم التبادلي.

بقي أن نقول بأن تطبيق هذا النموذج قد لا يتطلب أن يكون على كامل الحي السكني، بل لجزء محدد منه كالمناطق الداخلية، في ظل توفر الخيارات الأخرى ولتحقيق أحياء سكنية متنوعة تناسب احتياجات السكان المختلفة. هذا الحل قد يكون مثالياً على سبيل المثال، في حال رغبة أحد أبناء الأسرة الاستقلال بأسرته الجديدة ضمن نطاق الحي الذي يوجد به منزل الأسرة أو الحي المجاور، بحيث يمكن الوصول مشياً على الأقدام أو تربطهم نفس الخدمات، عوضاً عن الحل المستخدم الآن والذي يقضي بأن يتم تحويل المسكن من فيلا إلى شقق سكنية بتخصيص أو بناء دور إضافي. قد لا يستفاد منه لاحقاً بالإضافة إلى مخالفته لأنظمة البناء.

نموذج المساكن المتجاورة قد يكون مناسب للأسرة الجديدة من الجيل الرابع والتي قد أشرنا إليها في بداية موضوعنا، خصوصاً إذا تم دراسة هذه الفئة من المستفيدين ضمن خطط التطوير العقاري، والإقرار عن قناعة بأن النموذج السكني الحالي على قطعة أرض تتجاوز مساحتها (400م2) تعتبر أكبر من الاحتياج الفعلي في ظل استمرارية أنظمة البناء بخصوص الارتدادات أو حتى التقسيم لوحدتين مستقلة (دوبلكس).

ولا يعني ذلك كما أشرنا خلو هذا التطبيق لنموذج المسكن المتجاور من السلبيات، فمواضيع الأمن والخصوصية أو حتى التوسع المستقبلي قد تكون نقاط سلبية إذا ما تم مقارنته بنماذج أخرى، لكن قد يتم كخيار إضافي ضمن عمليات تخطيط وتطوير الأحياء السكنية في المستقبل، ليستوعب أو لنقل يلبي احتياجات فئة تمثل الشريحة الكبرى في الراهن والمستقبل القريب. وهذا يتطلب الكثير من الدراسات والمقترحات التي يمكن أن يقدمها أهل الاختصاص من المخططين والمعماريين

والمصممين، في التوفيق بين متطلبات هذا النموذج وبين المعطيات المتاحة ضمن الإطار المحلي، فالتغريب هنا قد لا يكون تغريباً بمعناه السلبي، ولكن بمعناه الوظيفي أو الجدوى من تطبيقه.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثالث للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر