تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الواجهات الخارجية: بين الجمود والحياة

 

تحتل الواجهات الخارجية الجزء الأكبر في عملية رصد تطور المدن وتوثيق تاريخها, مدن عديدة مثل هونغ كونغ, دبي, كوالالمبور والرياض قد شهدت تغييراً جذرياً في تصاميم الواجهات وحلول التكسيات الخارجية، بما يتناسب مع التطلعات الجديدة من تطور وحداثة من خلال التصميم بخطوط مستقيمة أو منحنية دقيقة والاعتماد على الزجاج كمادة أساسية، وهو من أدق مواد البناء وأكثرها جمالية لقدرته الأساسية على توفير المساحات الداخلية بإطلالات متعددة وتوفير إنارة طبيعة للمبنى كاملاً, إضافة لذلك فإن الزجاج لا يتقدم في العمر فعند تعرضه للخدش أو الحاجة لتلميعه أو تجديده، كل ما عليك هو استبدال الألواح المستخدمة بألواح أخرى جديدة وسيظهر لك المبنى وكأن افتتاحه تم بالأمس.

ما نعمره اليوم سيبقى لغد, وسيحمل قيم اليوم لغد ويروي قصص اليوم لغد أيضاً.. أرى أن هذه هي القاعدة الأساسية لأي مصمم، معماري ومهندس أو مقاول أو عميل. فلا أحد يرغب ببناء مؤقت غير صالح لكننا بالتأكيد يجب أن نعمل على تقديم عمارة ذات معنى، عمارة تشعر وتكبر وتعكس إرثاً غنياً وفصول جميلة. بالرغم من كوني شخصياً عاشقة للزجاج بمختلف استخداماته، إلا أن عيبه الوحيد يكمن في عدم قدرته على النضج, كمصممين نسهم دائماً شئنا أم أبينا في خلق علاقات إنسانية بين المستخدمين أنفسهم والمستخدمين والمبنى والبيئة المحيطة، فلم لا تشيخ تلك المباني معنا؟!

 

إثباتاً لأهمية ما ذكر أعلاه عن سهونا في التفكير عن العمارة المتطورة القابلة في إظهار التقدم في العمر، هو ما عمد إليه بعض المصممين من إضافة الوقت لعوامل التصميم الأساسية, حيث يستوجب ذلك دراسة تأثير الوقت على التصميم, حلول التكسيات الخارجية, مقاومة المبنى للعوامل الطبيعة, التواصل الإجتماعي بين المستخدمين والتواصل البيئي. فلم نلجأ لاستخدام الزجاج وبإمكاننا تكسية الواجهات بتصميم حديث باستخدام ألواح حديدة أو نحاسية أو خشبية معالجة لتقاوم عوامل الطبيعة، ومع ذلك تتغير مع مرور الوقت لتضفي شكلاً متجدداً للمبنى وتعكس عمره. أحد الأمثلة على ذلك هو برج (البرودكاست) في مدينة ليدز البريطانية فإضافة للتصميم الحديث المعتمد على تغيير نظام واتجاه وحدات مربعة متساوية الحجم. تمت معالجة الواجهة باستخدام صفائح معدنية (الكورتين المعدني) المعالج الذي يظهر علامات الصدأ بعد التعرض لعوامل طبيعية كالأمطار والثلوج. الجميل أنه رغم علامات الصدأ الظاهرة، إلا أن طبقات المعالجة للمادة تضمن عدم تهالكها ومقاومتها لأي من العوامل الطبيعية المذكورة فالنتيجة، هي برجاً متغيراً ناضج يعيش فصولاً مختلفة مع مستخدميه.

كوننا نعمل على بناء علاقات لا جوامد، فنحن بحاجة لتصاميم تشعر بنا ونرتبط بها عاطفياً واجتماعياً لا لتصاميم جامدة لا تتغير ولا تتأثر, تلك المشاعر تكمن في خلق روابط وثيقة في طرق البناء أيضاً وليس فقط في الشكل الخارجي للمبنى.

 

فعند تأملنا إلى مستشفى (البيتارو) في جمهورية ريواندا الأفريقية، سيظهر لنا أهمية خلق روابط بين المبنى والمستخدمين. فقد عمد المعماري (مايكل مورفي) وفريقه على دعوة أهالي المنطقة خاصة الأمهات لنحت وصقل الصخور الغير مستخدمة في شوارع ريواندا ورصها بالإسمنت المحلي الصنع لتعمير جدران المستشفى, اللافت أن كل أهالي المدينة ارتبطوا اجتماعياً وعاطفياً بمستشفى (البيتارو) ليصبح كل جدار حاملاً لبصمة أم من أهالي المدينة. لقد بني المستشفى بحب وبأبسط المواد دون استخدام أي زجاج ورغم ذلك يحمل فكراً حديثاً وتصميم متجدد. والأهم حلولاً جذرية تضفي الكثير للتجربة الطبية بداخل أرجاء المكان.

يرجح أن ذلك سهل التحقيق عند وجود تعاون جيد بين المعماري المبدع والمستخدم الواثق في إمكانيات من أمامه. تجربة أخرى في مدينة ميشيغان الأمريكية تظهر قوة الرابط بين المستخدمين وإنتاج الكتل المعمارية الحديثة والمتجددة متمثلة في مركز (أكرس لقيادات العدالة الإجتماعية), حيث تعكس الواجهة تصميماً شبابياً متطوراً من خلال دمج جدران منحنية متداخلة مع نوافذ زجاجية عاكسة دون الإعتماد على الزجاج كعامل تكسية خارجية أساسي. فقد اختار المصممون أن يتم بناء المركز بأيادي محلية ومساهمات اجتماعية تعكس أهمية الحوار والتعارف بين أفراد المجتمع, الواجهة المقترحة بتكاليف بسيطة تم تنفيذها على أيدي متطوعين باستخدام أجزاء دائرية من خشب البناء بأحجام مختلفة يتم رصها وتثبيتها بالإسمنت. كلتا التجربتين تمثلان المعاني السامية التي تحملها تلك الواجهات, إضافة للرسائل الاجتماعية التي تبثها اليوم والمعاني التاريخية التي ستخلفها لغد.

أدعو من خلال هذا المقال الجميع في المطالبة بحقهم بتصاميم حديثة بطابع إنساني يعكس تطورنا الفكري ويبقى مواكباً لتغيراتنا المستقبلية فالواجهات الخارجية تتحدث باستمرار للمارين بجوارها، مطلقة العديد من الأفكار عن ما عاصرته وعن ما تحتوي بداخلها.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر