تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

شواهد العمارة وعلاقتها بالبيئة الطبيعية في سلطنة عمان (1/2)

 

ظهر مفهوم (الاستدامة) ومفهوم (العمارة الخضراء) في العقود الماضية في محاولة لاحترام البيئة وتحقيق التوازن بين حجم الموارد الطبيعية المحدود على الأرض وضمان الاستجابة لاحتياجات الإنسان. إن العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية لها تاريخ طويل، وأبسط أشكال هذه العلاقة تجلت من خلال العمارة التي تلبي احتياجات الإنسان فتخلق الفضاءات المناسبة للإيواء والتمكين من ممارسة الأنشطة المختلفة براحة. إلا أن هذه العلاقة تؤثر وتتأثر بظروف البيئة المحيطة والموارد الطبيعية أصبحت تستنزف بشكل جائر لأجل متعة الإنسان ورفاهته، ما دعا بعلماء البيئة فرض خطاب بيئي جديد يهدد بزوال الإنسان وبنهاية كارثية وطريق مسدود إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه اليوم.

 

وبالعودة لبضعة قرون إلى الوراء، أي إلى ما يقرب (300) عام خلت أو ما يزيد فإن مفهوم العمارة المستدامة والعمارة الخضراء لم يكن حاضراً كمصطلح، ولكن الإنسان لم تكن تعوزه الحكمة فكانت ممارساته مستدامة وعمارته خضراء بمفهوم اليوم، و لازالت العمارة في سلطنة عُمان إلى يومنا تقدم مثالاً لاحترام الطبيعة والتعايش مع تحديات كبيرة مثل شح المياه وقلة الموارد الطبيعية وصعوبة التضاريس وشدة المناخ، ما أنتج موروثاً حضارياً في هذه البقعة من الأرض التي لم تنل النصيب الوافر من الاهتمام والدراسات على الأقل معمارياً.

تحاول هذه المقالة مناقشة بعض خصائص العمارة العمانية وفق منظومة العلاقة بين الإنسان والبيئة الطبيعية حيث أن العلاقة بين الإنسان وبيئته تتجلى بشكل واضح وصادق في عمان، فعندما يتجول الزائر في ربوع السلطنة لا يصعب عليه ملاحظة التنوع الجيولوجي والجغرافي أثناء تنقله من المناطق الجبلية هبوطاً إلى المناطق الساحلية نحو البحر، مروراً بالكثبان الرملية. وهذا التباين في التضاريس والمناخات، وفّر تنوعاً في الموارد الطبيعية انعكس على العمارة فأتاح ظهور عدة طرز معمارية في عمان تدعو لاكتشافها والتفكير بها، وتضرب مثالاً غاية في الروعة للعلاقة بين الإنسان والمكان.

 

احترام البيئة الطبيعية

إن البناء الذي شيده الإنسان يلبي احتياجاته بقدر، ويحترم البيئة الطبيعية المحيطة في آن معاً، ففي المناطق الساحلية تجد أن الإنسان قد استفاد من الرياح الموسمية (الصيفية) القادمة من المحيط الهندي، والتي تحمل كميات كبيرة من الهواء الرطب والمتشبع بالماء، ما أدى إلى ظهور بيوت (العريش) أو ما يُعرف بـ(عمارة سعف النخيل) التي تسمح بنفاذ الهواء. أما في المناطق الجبلية فالتضاريس تكون أصعب، بوجود المنحدرات والصخور القاسية، ولم يمنع ذلك الإنسان من قبول التحدي فتجده استغل صلابة الجبال كأساس متين للبناء دون تكسيرها أو الاعتداء عليها، فعلى سبيل المثال في شمال عمان بـ(محافظة مسندم) تبرز (عمارة الكهوف) حيث البيوت في بطن الجبل ويصعب على الناظر ملاحظة تغيير في طبيعته من الخارج وتقدم محافظة مسندم (بيت القفل) كنموذج معماري جبلي ناجح في كيفية تلبية الإنسان لاحتياجاته وسط أقسى الظروف.

وبقدر التحديات هناك مقومات الشقوق والفروج، ففي الجبال تتوفر المعادن اللازمة للزراعة، فاستصلحت الأرض وتم إنشاء المدرجات الزراعية كما في (الجبل الأخضر) لضمان عدم انزلاق التربة. وبالرغم من حاجة الإنسان إلى الأراضي المستصلحة للبناء والإعمار إلا أن الحفاظ على بقاء النشاط الزراعي كان أولوية للعمانيّ فحرص أشد الحرص على الأراضي الخصبة كمورد طبيعي، بل كانت الأهمية تفوق مورد الماء في بعض الأحيان، ففي بعض المواقع يتوفر الماء الصالح للزراعة ولا تتوفر التربة الخصبة. وكان توزيع المساكن يعتمد على الاستخدامات المثلى للأراضي.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر