"الحوش العَرْبٍي" بين سكون الكتلة وحركية الفراغات...

 

الفناء الداخلي هو ساحة داخلية مكشوفة وسط الدار ويطلق عليها عرصة الدار، أي وسطها التي لا بناء فيها. جاء الفناء كحلّ مناخي، وهو فراغ مفتوح على السماء يتوسط المسكن، ويمكن أن نعبّر عنه بالفراغ المعيشي بالحوش فأغلب الأعمال اليومية تتمّ فيه. وغالباً ما يكون مستطيل الشكل وأقرب إلى المربع، ومساحته تتراوح من (70 - 100) متر مربع وذلك حسب مساحة الحوش.

 

يعدّل الحوش درجات الحرارة وهو مصدر الإنارة الطبيعيّة للغرف، حيث يسمح وسط الدار، دائماً، بالانتقال من الشمس إلى الظلّ، ومن الرطوبة إلى الجفاف، وبمعايشة الداخل والخارج في آن واحد. حيث يوفر الفناء لمن يتوقف في وسطه حيزاً ظليلاً مهْما كان اتجاه جوانبه، وفي أي فصل من فصول السنة. وهو العنصر المناخي المسيطر على فكرة التصميم المعماري للمسكن ويقوم بدور المنظم الحراري للمنزل من خلال دورة التبريد التي تتكون أثناء الليل والنهار.

 

يعدّ كذلك الحوش فضاء نواة، فهو فضاء حيويّ، تواصلي نشط، ومركز التقاء الأنشطة الداخلية والخارجية، كذلك يعدّ حلقة الوصل بين الداخل والخارج. بالرّغم من انعدام أثاثه وبساطة تكوينه، تبلغ حيويّة الحوش أقصاها في تحديد كلّ أنشطته. فانعزال الفضاء عن الخارج لم يمنعه من أن يحقّق التوازن للدّاخل المغلق/المفتوح والمتستّر/الظاهر. يقوم الحوش بوظيفة المنسّق بين مُختلف الوحدات السّكنيّة، على تعدّدها هذه الوحدات لا يكون الوصول إليها إلا مروراً بوسط الدّار. ينظّم هذا الفضاء التنقّل بين الغرف وأماكن الخدمات التي تحيط به ولا تتّصل ببعضها البعض.

 

عموماً اتخذت الأفنية الداخلية مكانة مرموقة بين عناصر ووحدات الدار "العربي" – إن لم تكن أهمها – فالخروج إلى الطبيعة من الفراغات الداخلية، أو التمتع بها بصرياً من الداخل يحقق متعة التناقض بين المقفل والمكشوف، وبين الموجب والسالب، تفتح عليها قاعات المعيشة وباقي غرف المسكن، ومن هنا أخذت الأفنية الداخلية أهميتها، وذلك ليشبع احتياجه للطبيعة والقرب منها، فكلما التصق الإنسان بالطبيعة واقترب منها كلما استقر نفسياً وبالعكس كلما ابتعد عنها انتابه التوتر والانزعاج. فالعمارة السكنية هنا قد اكتسبت قيماً فلسفية أعطتها جذوراً ذات أصالة بعيدة عن مفهوم غربة الإنسان عن نفسه، فمفهوم غِنَى النفس ينعكس في بساطة المظهر المعماري من الخارج يقابله غنى الداخل، حيث الفناء الداخلي جزء من الطبيعة المكثفة بصوتها وضوئها كأغنى ما يكون التنوع.

 

ويعرف المصممون المعاصرون الفناء الداخلي بأنه الحيز الداخلي المحدد والمفتوح للسماء والمحاط بالفراغات الوظيفية (السكن والمعيشة والنوم) من عدة جوانب، والتي تطل على الداخل من أجل الحصول على التهوية والإضاءة الطبيعية. قد يرى البعض في الغرفة الرئيسية في المنزل المعاصر (الصّالة أو غرفة الجلوس أو غرفة المعيشة) بديلاً عن الفناء. ويبقى ذلك احتمالاً وارداً غير أن ذلك مرهون بمدىاستجابة الغرفة الرئيسية لتلك المهام الوارد ذكرها آنفاً. ويبقى الفارق بين الصالة والفناء أن الأولى مسقوفة أو مغلقة بينما الفناء مفتوح. بإمكان الصالة أن تعوض عن الفناء التقليدي إذا كانت تطل على الخارج وتنشئ علاقة استمرارية معه، وبإمكان الصالة أيضاً أن تطل على الفناء نفسه وبالإمكان الجمع بين الفناء والصالة. وعلى أية حال فإن وجود الصالة والفناء لا يعني إلغاء أحدهما الآخر. بل إن تكامل الصالة مع الفناء وإيجاد علاقة وثيقة بين الاثنين مطلب أساسي إذا ما أريد الحصول على فراغ معماري مميز.

 

وتوظيف الفناء الداخلي (وسط الدار) للمسكن التقليدي بالمنزل المعاصر الغرض منه التهوية واكتساب الإشعاع الحراري للشمس صباحاً. كذلك إضفاء الحركية البصرية للفضاء ككلّ والتحكّم في تقسيم الوحدات مع مراعات خصوصية غرف نوم العائلة وفصلها عن غرفة الضيوف والمعيشة، مع إيجاد مدخل منكسر لا يكشف داخل الوحدة السكنية. وقد تتمثل هذه الأساسيات في الاتجاه إلى الداخل بالنسبة لغرف الوحدة السكنية.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي