تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الانتماء للمكان ... فريجنا

فاطمة أختي الكبرى تحادث صديقتها التي كانت تشتكي بحرقة من واقعة حدثت لها الأسبوع الماضي في فريجهم، وملخصها أنها كانت تمشي ورأت أطفالاً يلعبون في الشارع فنصحتهم - كعادتها في هذه الحالات- أن أذهبوا للحديقة القريبة، لأنها أكثر أماناً لكم. ولكن المفاجأة أنهم اتهموها بأنها تريد اختطافهم! والأدهى أن عمتهم تبعتها إلى بيتها الذي لا يبعد عن بيتهم إلا ثلاثة أو أربعة مساكن لتنهرها وتزجرها وتقول لها لا دخل لك بأبنائنا.

لطالما رددنا ونحن صغار عبارات تعزز ثقافة الانتماء للمكان، وأنه ملك لنا وأننا جزء لا يتجزأ من هذا المكان، وبالتالي فنحن المسؤولون عنه وعن الأمن والأمان فيه وتقع علينا مسؤولية الحفاظ على نظافته والعناية به. كما أن مسؤولية ضبط سلوكيات الأطفال تقع على عاتق الكبار، سواء كانوا أجداداً أم آباءً أم إخواناً. وحتى الأمهات فلا يترددن أبداً في ردع أي سلوك خاطئ في فريجنا (الحي السكني)، هكذا كنا ننسب الأماكن لنا فكنا نقول شارعنا ومسجدنا ودكاننا وكل شيء في الحي ملك للجميع.

الواقع العمراني هو الذي صنع القطيعة بين الإنسان والمكان، والمخطط العمراني هو الذي يتحمل الدور الأكبر في هذه القطيعة بين الجيران، فعندما كنا نقول فريجنا كنا نعني ما نقول. فهذا المكان نلعب فيه ونجلس ونسمر فيه ونزاول كل هواياتنا من كرة قدم إلى كافة الألعاب الشعبية الأخرى فيه، وكنا في المناسبات التي لا يتسع البيت فيه للزوار نجلس نحن الأطفال ونأكل فيه وكنا نطرد الغرباء بكل أريحية، ونمنع أي تصرفات غريبة أو نبلغ الكبار بها لنحفظ فريجنا من المخاطر، ولذلك تعززت لدينا ثقافة الانتماء للمكان ونحن لا نعلم بهذا المسمى. أما اليوم فقد ساهم المخطط في جعل السيارة تحتل أماكن لعب الأطفال، ولم يفكر أبداً في حاجتهم للاجتماع واللعب، وحاجة الكبار للجلوس والمشي وتبادل أطراف الحديث، ولذلك فلم يعد أحد يردد: هذا فريجنا.

أصبحت المساكن في مخططاتنا الحالية عبارة عن ممالك مستقلة، كل منها منعزل عما حوله ولا يربطه به إلا شارع خطر نحذر أطفالنا من الخروج إليه، وحافلات المدارس تقف أمام باب المسكن وقد تدخل إلى الفناء، والمسجد نذهب إليه بالسيارة، والدكان يصل إلى باب الفيلا بدلاً من باب الحوش، وأصبحت المشايات حول الحدائق والشواطئ فقط، فنذهب إليها بالسيارة التي احتلت الرقم واحد في المخططات العمرانية الحالية حيث استحوذت على أكثر من (80%) من الفراغات الموجودة في الحي السكني، وكما قال أستاذنا الدكتور خالد الطياش في عنوان مقاله الرائع في جريدة الرياض (30 ديسمبر 2010 ) "أحياؤنا شوارع تتخللها بيوت ومنازلنا قلاع تحيطها أسوار" .

تجربتنا الرائدة في الأحياء السكنية الاجتماعية في برنامج الشيخ زايد للإسكان بدولة الإمارات سعت لمعالجة هذه القضية الشائكة، ومعالجة فقد الانتماء للمكان والذي ساد لعقود في الأحياء السكنية من خلال عدة جوانب، أحدها أن كلمجموعة مساكن تطل على فراغ اجتماعي وساحة شعبية لا تصل إليها السيارات تصلح للعب والاجتماع والجلوس والمشي. كما أنها اعتمدت مواقف لحافلات الطلبة بحيث يجتمع كل أطفال الساحة الاجتماعية فيه للذهاب للمدرسة، وذلك في حال عدم قدرتهم للوصول للمدرسة القريبة مشياً أو باستخدام الدراجات الهوائية المتوفرة في كل مسكن في الحي. كما أن للأحياء الاجتماعية مجالس مناسبات خاصة به سواء للأفراح أو الأتراح، إضافة إلى إدارة للحي ملزمة بتشغيل ضعفاء الحي في أعمال مراقبة الساحات الاجتماعية وحفظها من الغرباء. والعديد من المباني الخدمية الأخرى التي تساهم في تعزيز الانتماء للمكان مثل الحضانة والصالة الرياضية وغيرها مما تجعل التقاء الجيران ضرورة والمشاركة في تطوير المكان حاجة وليس ترفاً، وبعض المبادرات التي سعت الأحياء الاجتماعية لدعمها مثل المهرجانات الوطنية لتعزيز مفهوم الانتماء للمكان.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر