تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

صناعة الأثاث: بين ثقافة الاستهلاك ومفهوم الاستدامة

 

تعتبر صناعة الأثاث في العالم من القطاعات التجارية المهمة كونها ترتبط بشكل كبير بحياة البشر ومعيشتهم ونشاطاتهم المختلفة. ولذلك يتجه المصممون الداخليون والصناعيون إلى هذا المجال الواسع لتطبيق أفكارهم ورؤياهم حول تسهيل حياة الناس في الفراغ. هذه الصورة المثالية لها وجه آخر مختلف يراه البعض أنه غير جيد ويسيء لهذه الصناعة. هذا الوجه يتمثل في الأثاث التجاري الاستهلاكي. فمن المعروف أن هذا النوع من الأثاث يعد سلعة تجارية تفتقد للجودة في معظم الأحيان، سواء من حيث التصميم أو من حيث التنفيذ. فهل هذه الرؤية الشائعة حول هذا النوع من الأثاث تعتبر صحيحة؟ وهل يحتاج الأثاث إلى الخروج من ثقافة الاستهلاك إلى مرحلة الاستدامة؟ وهل سيغير ذلك من حياة الناس من زاوية إيجابية؟

 

عندما نرغب بشراء قطعة أثاث جديدة، فإننا عادة ما نفضل أن نتعرف عليها عن قرب. يظهر ذلك في سلوكنا داخل محلات الأثاث وما نقوم به أحياناً من طقوس غريبة، بعضنا يفضل الجلوس والتجربة، والبعض الآخر يفضل أن يرى قطع الأثاث بعينيه أو يفحصها بيديه. وأياً كانت الطريقة نستطيع القول بأن هذا اللقاء الأول بيننا وبين قطع الأثاث، يتخلله العديد من الأسئلة الذهنية التي تدور في رؤوسنا؛ هل ستكون مناسبة للفراغ؟ هل المساحة كافيه؟ تبدو كبيره جدا؟ ماذا عن اللون؟.. إلخ، من هذه الأسئلة حتى نقرر تجاه هذه القطعة بالموافقة أو الرفض.

بشكل عام هذا السلوك يعد منتشر لدى الأغلبية ويستمر لقطع الأثاث الأخرى، بل ويتجاوز ذلك حتى للإكسسوارات الصغيرة. إلا أن سرعان ما تفتر هذه العلاقة بيننا وبين قطع الأثاث بعد مضي فترة من الاستخدام، حيث أننا كبشر نحتاج للتجديد بين كل فترة وأخرى. إلا أنه في بعض الاحيان، يكون هذا التجديد ضمن فترات قصيرة نوعا ما، ولأسباب تتعلق باستهلاك الأثاث وعدم صلاحيته.

 

ثقافة استهلاك الأثاث

يختلف العمر الافتراضي للأثاث بحسب عوامل عديدة، فالتصميم ونوعية المواد المستخدمة وجودة التنفيذ كلها عوامل تساهم في زياده أو نقصان العمر الافتراضي. ومع ذلك فهذه العوامل ترتبط بالتكلفة بشكل مباشر، فكلما زادت في جودتها زادت التكلفة والعكس صحيح. هذه العلاقة بين الجودة والتكلفة دفعت الكثيرين من رجال الأعمال مع بداية العصر الصناعي إلى إيجاد خطوط انتاجية للأثاث بكميات كبيرة وبتكاليف متوسطة أو متدنية. هذا المسار الصناعي اعتمد على دراسة توفر البدائل لتقليل التكلفة في ظل الحفاظ على التصاميم الجذابة إلى حد ما. تحت هذا المفهوم الصناعي دخل الأثاث في حقبة طويلة لازالت قائمة حتى يومنا هذا.

يمكن القول، بأن ثقافة الاستهلاك للأثاث تعتبر ثقافة عالمية منتشرة في أغلب المجتمعات، فقطع الأثاث التي نحاول أن نبني معها علاقة عند لقائها أول مرة سرعان ما تصبح بلا قيمة لدينا مع مرور الوقت. خصوصاً في ظل المنافسة بين الشركات المصنعة للأثاث والمصممون حول إبتكار النماذج الجديدة لكل عام، حيث يظل المجتمع متطلعا نحو التجديد الدائم والمستمر، وبالتالي الرغبة في التخلص من القديم واقتناء الجديد. هذه الثقافة ساهمت في تدني جودة قطع الأثاث خصوصا تلك الاستهلاكية، حيث يركز أصحاب هذه الصناعة على تحقيق مكاسب عالية على المدى القصير.

 

 

البيئة .. المتضررة الأولى

هذه الثقافة لها آثار كبيرة على البيئة والمحيط عموماً، من المعروف أن الأثاث يُصنع من مواد تأتي في الغالب من البيئة بشكل مباشر. كالأخشاب والرخام وغيرها من المواد. ومع توسع وانتشار ثقافة الاستهلاك للأثاث في القرن الماضي وحتى يومنا هذا. بدأ الكثير في الحديث عن حماية البيئة من هذا الاستهلاك المبالغ فيه. الأمر الذي ساهم في ظهور مسارات عديدة تحاول أن تعيد استخدام الأثاث والمحافظة على الموارد الطبيعية، أو حتى زيادة العمر الافتراضي لقطع الأثاث الجديدة. وكذلك إنتاج الأثاث من المواد المعاد تدويرها. وعلى الرغم من ممارسة هذه التوجهات تظل ثقافة الاستهلاك اكبر من هذه التوجهات البسيطة.

 

على المستوى المحلي

لا شك أن ثقافة استهلاك الأثاث لدينا تعد ملفته للنظر. وعلى الرغم من عدم توفر الدراسات عن حجم هذا الاستهلاك. إلا أن وجود الأسواق الموازية يمكن اعتبارها علامه على كبر حجم الاستهلاك لدينا. فإلى جانب العلامات الشهيرة للأثاث لا تخلو مدينة من سوق أو اثنين للأثاث التجاري. بل أحيانا تجد سوق لإعادة بيع الأثاث القديم (الحراج). هذه المستويات الثلاثة لصناعة الأثاث تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع، حيث المعيار الفارق بين هذه الشرائح عادة ما يدور حول التكلفة.

 

على المستوى البيئي يعد الأمر خطير جدا. فكوننا نستهلك معظم الأثاث المستورد نجد أن مخلفات الأثاث لا تجد مسارات أو طرق صحيحة لإعادة التدوير. فما يحدث هو إعادة استغلال المواد بطرق مغشوشة لإعادة بيعها على أنها جديدة. هذه الممارسات لها آثار سلبية على البيئة وعلى صحة الانسان والمنازل في المقام الأول.

قد يكون من المجدي أن يتم رفع مبادرة من أصحاب هذا التخصص (مصممين / منتجين) نحو حماية هذه الصناعة في الإطار المحلي، سواء من حيث التصنيع والجودة أو من حيث الاطارات البيئية وحماية المستهلك. صناعة الأثاث تعد قطاع مهم جدا ويمثل رافد اقتصادي يمكن أن يستقطب العديد من الفئات المهنية المحلية. ولذلك إعادة التفكير في هذه الصناعة ضمن إطار اقتصادي بيئي وتصميمي قد يفتح آفاق جديدة للمنتجات ذات صناعة محلية وأصداء عالمية.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثاني للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر