القبة الخرسانية: مساكن معاصرة بمفهوم المأوى

 

عند الحديث عن بناء منزل العمر، فعادةً ما يكون الحديث حول تأمين مأوى للأسرة. إلا أن هذا المعنى يخالطه الكثير من التفاصيل والصور الذهنية حول الجمالية التي يفترض أن يكون المنزل عليها. وكيف سيكون مميزاً عن منزل جارك أو منازل الحي. وليس هناك ما يمنع أن نفكر بهذا المنطق.

لكن ماذا لو كانت منازلنا عبارة عن مأوى معاصر؟! أو لنقل مجموعة من القباب الخرسانية المتناثرة على الأحياء السكنية؟! هل سنشعر بالتميز أو التفرد؟! أم أن هناك ما هو أهم من الشكليات ؟!

 

لا يمكن القول بأن المساكن المشيدة بطريقة القباب الخرسانية هي فكرة جديدة. فهناك العديد من المحاولات والنماذج لمثل هذه المساكن منذ منتصف القرن الماضي، إلا أن أهميتها زادت مؤخراً في كونها هيكل إنشائي مقاوم للكوارث الطبيعة مقارنة بالهياكل أو الأشكال الهندسية الإنشائية الأخرى. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال هذا التكوين البيضاوي مرفوض لدى الكثير من المعماريين. فالبعض يرى فيه نمطية وتقييد يشبه الشكل الصندوقي الذي كان سائد للعمارة في زمن ماضي، وذلك بسبب ما يفرضه الهيكل الإنشائي على التكوين الخارجي العام. والبعض الآخر يرى أنه غير ملائم لتحقيق الغرض من العمارة ودورها وغايتها في تحقيق التنوع والجمالية.

لعل ذلك ما دفع بعض الشركات نحو تبنى هذا الأسلوب كمنتج نهائي لها. حيث تم تطويره بمعزل عن مفاهيم التصاميم المعمارية القديمة أو الحديثة من حيث الاعتبارات الجمالية وحتى الوظيفية في بعض الأحيان. ومع ذلك يبقى السؤال الأهم في هذا السياق : ما الذي يجعل هذا النوع من المباني مقبول من حيث البناء والاستخدام؟

 

هناك ثلاث محاور أساسية يحققها هذا النمط من البناء وبكفاءة عالية. هذه المحاور هي التكلفة، السلامة والمرونة. حيث يراهن أصحاب هذا التوجه بأن هذا النمط من البناء يمثل كفاءة عالية في هذه المحاور الثلاثة مقارنة بالأنماط الأخرى.

 

التكلفة والصيانة

تكمن فعالية المباني من القباب الخرسانية من حيث التكلفة في كونها أسلوب إنشائي يستغني عن الكثير من العناصر الإنشائية، مثل الأعمدة، القواعد، الكمرات والبلاطات الخرسانية.

فالتكوين النصف بيضاوي، يساهم بشكل كبير في تحقيق هيكل إنشائي ثابت ومتزن. ولذلك سعت العديد من الشركات نحو تطوير هذه الكفاءة من خلال تقليص سماكة القبة الخرسانية لتصبح أشبه بالقشرة الخرسانية، الأمر الذي انعكس على تكلفة البناء، في ظل شيوع الخرسانة كمادة بناء منتشرة في العالم. بالإضافة إلى الحد من التقنيات الضرورية الأخرى. كنظام صرف مياه الأمطار أو التكسيات الخارجية مع استخدام الحد الأدنى من أعمال العزل والدهانات.

لهذا النمط أيضاً فوائد من حيث تكلفة التشغيل والصيانة. فالشكل البيضاوي معروف عنه بتقليل استخدام الطاقة (التبريد أو التدفئة) للخصائص الشكلية التي تساهم في تخفيف حدة أشعة الشمس على المبنى. وأيضاً الحفاظ على درجات الحرارة الداخلية. وكذلك الأمر بالنسبة لصيانة مادة الخرسانة والتي تعد من التكاليف المتدنية مقارنة بمواد أخرى كالأخشاب أو الحجر.

 

مقاومة الكوارث

يصنف هذا النمط من المباني على أنه مقاوم للكوارث (Disaster Resistance)، فعلى على مستوى الحرائق مثلاً، من المعروف أن الحديد يعتبر من أكثر المواد مقاومه للحريق، إلا أن اشكاليته تكمن في عدم قدرته تحت درجات الحرارة العالية على تحمل الأحمال مقارنة بالخرسانة، رغم أنها أقل مقاومة بشكل عام. ولذلك يراهن أصحاب هذا النمط، إلى تحقيق السيطرة على الحريق وعدم إنتقاله من قبة إلى أخرى كميزة إضافية، حيث ويجري حالياً مجموعة من الأبحاث لاحتواء الحرائق داخل هذا النمط للمباني بطريقة سريعة وبكفاءة عالية تزيد من مميزاته من حيث هذا الجانب.

بالنسبة للأعاصير والزلازل والفيضانات. فأثبت الواقع صمود ومقاومة هذا النمط من المباني أمام هذه الكوارث الطبيعية. ولعل منزل الشاطئ في سليفادور يعد من أشهر النماذج المقامة والتي قاومت الكوارث الطبيعية التي حصلت في المنطقة، حيث سلط الضوء على هذا المنزل كنموذج مثال لمقاومة هذا النوع من الكوارث.

 

المرونة والتغير

تتميز مباني القباب الخرسانية، بأن القشرة الخرسانية هي العنصر الوحيد الثابت مع ما فيها من أبواب ونوافذ. أما الفراغ الداخلي فيمكن تقسيمه بأشكال ومساحات مختلفة حسب الاحتياج، ولذلك يرى الكثير من المستخدمين أن ميزة المرونة في تصميم الفراغ الداخلي تعد جيدة إلى حد ما، بينما يرى البعض الآخر أن شكل الفراغ الداخلي سيكون غير منتظم، الأمر الذي ينعكس على أمور ذات أهمية مثل طريقة الفرش والأثاث أو من خلال توفير الخصوصية للفراغات. هذا التباين دفع ببعض الشركات للاستعانة بالمعماريين والمصممين نحو ابتكار طرق جديدة في توزيع الفراغ الداخلي داخل القبة. بعض هذه الأفكار اتجهت نحو تحرير القبة الوحيدة إلى عدد من القباب التي يمكن أن تنتج مسكن متكامل أو مبنى واحد، مع ربطها بممرات أحياناً وبشكل متداخل أحياناً أخرى. ولا يزال الأمر في طور التطوير مع التقدم في صناعة هذا النمط.

 

 

زوايا أخرى

قد تكون محدودية الإرتفاع لهذا النمط بطابقين، تجعله أقرب إلى الاستخدام السكني مقارنة بأنواع المباني الأخرى. فأحجام القباب محدودة بأقطار وفق إمكانية الشركات. ولا يعني ذلك عدم القدرة على بناء قباب ضخمة، إلا أن الجدوى من بناءها ستكون مكلفة جداً مقارنة ببناء مربع الشكل. هذه المحدودية تعتبر نقطة سلبية في الاعتماد على هذا النمط بشكل موسع.

تلعب أيضاً أنظمة البناء وأشكال التخطيط العمراني للأحياء دور كبير في توظيف مثل هذا النمط. والذي عادة ما يكون مناسب للمناطق المفتوحة أو الموجودة في مواجهة مع مسارات الكوارث كالشواطئ أو سفوح الجبال وغيرها. وقد يكون من الممكن قبول هذا الشكل معمارياً في مباني مثل المنتجعات السياحية أو المتاحف الخاصة والصغيرة أو حتى بعض الأغراض والأنشطة البسيطة.

وهناك أيضاً الدور الثقافي أو الاجتماعي في قبول مثل هذه الأنماط بشكل شائع. خصوصاً أنها لا ترتبط بهوية معينة (إذا استثنينا هوية الأسكيمو) وبالتالي لا تعكس هذه المباني إطار ثقافي يمكن أن يشكل موروث أو هوية عمرانية. ولعل هذا ما يجعلنا نتساءل، إذا ما كانت حقيقة العمارة أو وظيفتها أن تشكل هذا الموروث أو هذه الهوية أم أن دورها يكمن في حماية الإنسان من العوامل الخارجية كمأوى؟

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثاني للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي