تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

هياكل لمقاومة الكوارث

 

لطالما كانت الكوارث الطبيعة تشكل أحد أكبر المخاوف على البيئة العمرانية والمباني على حد سواء. ولعل ذلك ما دفع البعض من المهتمين في المجال العمراني والهندسي، للبحث عن الحلول والأفكار التي يمكن أن تقلل من أثر هذه الكوارث على المباني. هذا التوجه بات اليوم محط تساؤل كبير حول إذا ما كانت المباني والمدن التي نعيش بها اليوم آمنة ولا تشكل خطر على حياة المجتمعات.

هذا التساؤل يدفعه شكوك ومخاوف لما يحدث اليوم من تغيرات على المستوى المناخي، أو حتى إتساع المفهوم لمعنى توفير حياة مستدامة للمجتمعات. لكن ما هي إنعكاسات ذلك على تصميم المباني؟ وكيف يمكن أن يغير هذا المفهوم من قواعد ومتطلبات التصميم؟

ابتكر المعماري (فرانك لويد رايت) نظام إنشائي جديد لمقاومة الزلازل عندما صمم الفندق الإمبريالي في طوكيو عام (1919م) والذي تمكن من الصمود دون أي تأثرات تذكر خلال الزلازل الذي ضرب المدينة في عام (1923م). هذا الإبتكار فتح المجال نحو آفاق أخرى ساهمت في رفع مستوى الأمان للمباني، وبالتالي التوسع في الأفكار والتصاميم المعمارية. وعلى الرغم من ذلك تظل الهزات الأرضية شكل من أشكال الكوارث الطبيعية وليست الشكل الوحيد. حيث يوجد هناك أنواع أخرى لا تقل خطورة عن الزلازل. فما علاقة هذه الكوارث بالتصميم؟

 

تطرح اليوم فكرة إيجاد هياكل إنشائية مقاومة الكوارث. هذه الفكرة تحاول في فحواها البسيط تأمين هيكل إنشائي يتلائم مع طبيعة المكان وما فيه من ظواهر طبيعية. بهدف تحقيق مستوى أو معامل أمان عالي وعدم القبول بمستويات الأمان العادية. وقبل أن نتناول أثر هذه الفكرة من زاوية معمارية. لعلنا نستعرض بعض أبرز الكوارث الطبيعية التي هددت المباني والمدن بشكل مباشر خلال السنوات القليلة الماضية.

 

أولاً: الأعاصير ومقاومة الرياح

تكمن خطورة الأعاصير والرياح على المباني في الحطام الناجم عن مكونات المباني. والذي عادة ما يمثل أداة التدمير للمباني والمنشئات. فالمظلة أو الهيكل المعدني الذي يغطي الساحة الأمامية لأي مبنى وبشكل جمالي. قد يصبح بفعل الأعاصير أداة للتدمير وهدم للمباني الواقعة في مسار الإعصار. الأمر الأخر في خطورة الأعاصير والرياح هو الإختراق الذي يمكن أن يحدث بفعل السرعة لهذه المكونات أو الحطام المتطاير من جدران الغلاف الخارجي للمباني.

ولا يقتصر الأمر على العناصر الإنشائية الكبرى. كذلك هي الأبواب والنوافذ وغيرها من الفتحات تعد منافذ ضعيفة أمام قوة وسرعة الرياح. ولذلك تلعب المواد والأسلوب الإنشائي بالإضافة إلى تكوين المبنى الخارجي وموقعه من اتجاه الرياح دور كبير في مقاومة هذا النوع من الكوارث.

 

ثانياً: الفيضانات

تكمن فكرة مقاومة الفيضانات في إبقاء المياه خارج المباني قدر الإمكان. إلا أن الصعوبة تتمثل في عدم القدرة على التحكم في كمية هذه المياه الضخمة أو حتى الصمود أمام اندفاعها. حيث هناك علاقة بين مسار المياه واتساعه وبين قوة الاندفاع. لمس ذلك عدد من المختصين الذين درسوا سرعة تدفق الفيضانات منذ بداية الشواطئ وحتى المناطق العميقة من المدينة. هذه الملاحظات أفادت بوجود عناصر محفزة متمثلة في أشكال ومقاسات الشوارع والممرات ومسارات التصريف لمياه الأمطار والسيول واتجاهات. تؤدي الخرسانة المسلحة دور فعال في هذا الجانب مقارنة بالمواد الأخرى. وذلك لعدم تأثيرها الكبير بالمياه. عكس الخشب أو الطين الذي يعد من المواد الفاقدة لمقاومتها أمام المياه حتى وإن لم تكن ذا اندفاع قوي.

 

 

ثالثاً: الزلازل

كنا قد أشرنا إلى الزلازل بوصفها أول الكوارث الطبيعية التي تم التعامل معها ضمن منظور عمراني وإنشائي. ويمكن القول بأنها من أكثر الظواهر الطبيعية دراسة خلال السنوات الماضية. وعلى الرغم من ذلك. لا يمكن الجزم التام بوجود حلول إنشائية تقاوم الدرجات العالية من الهزات الأرضية. فأغلب ما يتم اعتماده من تصاميم لهياكل مرنة لا تتحمل الهزات القوية. في هذه الظاهرة لا تمثل الخرسانة حلاً جيداً مقارنة بالهيكل المعدني أو الأخشاب، سواء من حيث السلامة للمستخدمين أو من حيث المقاومة. وعلى الرغم من أن أصحاب الخرسانة قدموا العديد من الحلول التي تساعد على المقاومة وتجمع ما بين الصلابة والمتانة وكذلك الليونة المتمثلة في الحديد. إلا أن هذه التوجهات تتطلب تعديلات تتجاوز الهيكل الإنشائي إلى الهيكل المعماري. كعدم زيادة الفتحات لجدران القص أو توظيف الارتكاز الهرمي، بحيث يقل حجم المبنى كلما ارتفع.

المباني العالية تمثل نموذج يفتح باب للنقاش إذا ما تم الحديث حول الزلازل. ولذلك تتم العديد من الأبحاث والدراسات حول ذلك. بل إن بعض الجهات تحد من ارتفاع المباني في تلك المناطق التي تحتمل وجود هزات أرضية.

 

رابعاً: الحرائق

بالرغم من أن الحرائق تعد من المعايير الأساسية في تصميم المباني هذه الأيام. إلا أن المقاومة لا تعني مجرد توفير أبواب ومخارج للطوارئ وحسب. بل تتجاوز ذلك إلى تحقيق الحماية للممتلكات والمباني على حد سواء. ولذلك تتجه معظم الشركات المصنفة في مجال مواد البناء إلى زيادة القدرة على مقاومة الحرائق وعدم السماح لانتقالها، الأمر الذي قد يقلل من عملية الانتشار وبالتالي تلف المباني. ولعل ما حدث قبل سنوات من حريق في أحد الفنادق في دبي دليل على الأضرار التي يمكن أن تنتج من الحرائق خارج نطاق المبنى، فألواح الألمنيوم المشتعلة تطايرت من على واجهة المبنى إلى المحيط الخارجي، وهو ما أعتبر امتداد للحريق – كان سيؤدي لكارثة في المنطقة لولا لطف الله ومن ثم جهود فرق الدفاع المدني.

 

خامساً: الهجمات الإرهابية

بعد أحداث (11 سبتمبر) اصبح هناك هاجس تجاه حماية المباني من الهجمات الإرهابية. وعلى الرغم من أن هذا لا يعد كارثة طبيعية. إلا أن وجوده يمثل خطر اليوم على المجتمعات. يمكن أخذ مفهوم مقاومة الهجمات الإرهابية من مسارين، الأول: ما قبل الهجمة والتي تتمثل في الإجراءات الأمنية وتأمين عملية الدخول والخروج وبالتالي دراسة مسارات الحركة. والثاني: ما بعد الهجمة. أو ما يمكن التعبير عنه باستجابة المبنى للانفجار، بمعنى ما هو السيناريو المقترح لكيفية سقوط المبنى أو انهياره. ولا تزال هناك العديد من الأبحاث والدراسات حول ذلك، أهمها هو تفكيك بنية المباني إلى أجزاء، سواء على المستوى المعماري بأن تكون مباني مفصولة وليس مبنى واحد. أو من حيث الهيكل الإنشائي والذي يعتمد على تصميم هيكل إنشائي منفصل للمبنى كأجزاء، بحيث لو أنها جزء لا تتأثر بقية الأجزاء.

 

 

العمارة في مواجهة الكوارث:

لعلنا استطعنا في ما سبق أن نستعرض أبرز الكوارث التي يمكن أن تحدث للمباني وإن كان هناك الكثير أيضاً. إلا أن السؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق يدور حول علاقة العمل المعماري واستجابته لهذه الكوارث؟ بمعنى هل الأولوية لمفاهيم التصميم المعماري على حساب الأمن؟ أم أن العكس صحيح؟ وما مدى استجابة العمارة لهذه الكوارث من حيث الشكل والتكوين؟ خصوصاً بعد أن أصبحت شائعة الحدوث نتيجة للتغير المناخي أو حتى الإضطرابات السياسية في العالم. فالأمر لا يقتصر على المواد وأنظمة البناء وحسب، بل يتجاوز ذلك إلى الشكل المعماري نفسه والذي يفترض أن يتماشى مع نوع المقاومة المطلوبة. وقد يتجاوز ذلك للبيئة وحمايتها، فالخرسانة على سبيل المثال تعد من أكثر المواد مقاومة لعدد الكوارث مقارنة بالمواد الأخرى، إلا أنها الأسوأ من الجانب البيئي. هذه التعقيدات والتداخلات بين المواضيع فيما يتعلق بالكوارث أو سلامة المجتمعات، تشكل مسارات فكرية وبحثية لعدد من الجهات التي تعمل على تحقيق ذلك. فموضوع مقاومة الكوارث الطبيعية بدأ في جذب الأنظار خلال السنوات الماضية. نتيجة لما يشهده العالم من تغيرات. هذه التغيرات تضع مسألة التصميم بفروعها ونظرياتها في مقابل (البقاء)، وهو ما يعد أكثر أهمية إذا ما قورن بالجوانب الأخرى على اختلافها. من المتوقع أن يكون هناك توجهات أكثر عمقاً في هنا الاتجاه في السنوات القادمة. ربما سيتغير معها مفهوم التصميم المعماري بشكل كلي.

 


 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثاني للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر