تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

مدن جذابة

 

لو تمعنا النظر داخل النسيج العمراني لبعض المناطق في المدينة لوجدنا تشابه كبير فيما بينها. فحينما أصبح الملل والتكرار والجمود سمة ملاصقة لبعض المدن، اختلفت مدن أخرى بكل محتوياتها وعناصرها عن السائد. عندما نرى مثلاً صورة لأحد المدن المختلفة، ندرك تميزها، ونستطيع بكل سهولة ومن الوهلة الأولى التعرف عليها. لم تكتسب هذه المدن رونقها وجاذبيتها بمحضي الصدفة، وإنما تم تبنى عدد من المبادئ الأساسية التي أنتجت بيئة عمرانية جذابة بكل المقاييس. 

يشكل التباين والتناسق بين المباني، إحدى المبادئ الأساسية لخلق بيئة عمرانية جذابة. فإيجاد مباني بارتفاعات وعروض متقاربة، يكون مصاحباً لهذا التقارب في الأحجام تنوع في الواجهات والألوان لكسر الملل، عوضاً عن الزج بتلك المباني على الأراضي بدون مقياس موحد وبطريقة عشوائية. مباني بمقياس إنساني تعطي السكان شعوراً بالحميمية والأمان، عوضاً عن مباني شاهقة الارتفاع لا يستطيع مستوى النظر أن يمتد لتفحص ملامحها وتعابيرها، وقد ينتابك الخوف والقلق بمجرد المرور بمحاذاتها. على العموم، يجب أن تكون المباني الكبيرة جديرة باهتمامها مع أفضل الطموحات للسكان وتلبية الاحتياجات على المدى الطويل.

ولكي نشبع فضول المتجولين في أرجاء المدينة لمعرفة ما يدور خلف الجدران الباهتة والصامتة، لابد من إيجاد شوارع حية مرئية ذات واجهات شفافة ومكشوفة للجميع، يستطيع المار بين الأزقة والأفنية باستشعار ما يدور في كل مبنى. جميل أن نرى كيف يخبز الخباز خبزه وكيف تعد القهوة والحلوى، حينها نشعر بالتواصل والتفاعل مع الأنشطة المختلفة بالمدينة ونفس الوقت، نستمتع بتجربة المشي.

المبدئ الثالث لخلق بيئية عمرانية جذابة، يتم من خلال توفير عمران متقارب ومتضام. فمع تحسن الظروف الاقتصادية للسكان في العقود الماضية، زادت الرغبة لديهم للانتقال إلى مناطق أبعد للحصول على مساحة خاصة، ومع كثرة بناء المساكن الخاصة على أطراف المدينة بمعزل عن وسطها، ظهر لدينا أحياء سكنية ميتة ومتكررة ولا يحتوي بعضها على متطلبات الحياة اليومية. ما ينقص هذه الأحياء، هو وجود توازن بين المحيط الخاص والمحيط العام. فالساحات العامة التي تتخلخل داخل المناطق السكنية وتكون على مسافة مشي قريبة، تمثل امتداداً للمنزل وتزيد من فرصة التفاعل الاجتماعي مع السكان، كما أنها قادرة فعلاً على كسر الجمود في العلاقات وإيجاد توازن عادل بين المحيطين العام والخاص.

تنتشر المباني المتميزة في المدن حول العالم، حتى أصبحت هذه المباني تشكل العلامة الفارقة لهذه المدن. وبالرغم من وجود هذه الصروح الفريدة، فإن الزائر للمدينة قد لا يعرف من اَي ثقافة تكون أو لأي حضارة تنتمي. فمع تطور تقنيات البناء عبر العصور وتبادل الخبرات في مجال التصميم المعماري، صار من الممكن عمل تصاميم لمبنى ناطحة سحاب في طوكيو ليكون مقر إنشائها في دبي أو الرياض، بغض النظر عن تبني مفاهيم وأساليب النمط المعماري والعمراني لهذه المدينة أو تلك أثناء التصميم. على العكس من ذلك، وجود المباني ذات الطابع والطراز المعماري المميز للمنطقة باستخدام مواد البناء المحلية، يعد من أبرز المبادئ التي تحقق مدن جذابة. حيث تعتبر المباني التي تعكس ثقافة الشعوب وحضارتها وتعزز من الهوية الوطنية لكل بلد أو مدينة أو حتى لكل قرية، مزاراً ووجهة لأفواج السياح القادمين من خارج البلد.

وأخيراً، يوجد العديد والعديد من قصص النجاح للمدن الجذابة والتي كان السر من ورائها، إحداث توازن بين المصالح العامة للسكان وبين المصالح الخاصة للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال. فقد كان للتدخل الحكومي لسن قوانين عمرانية تحافظ على جمال المدينة والتأكيد على تطبيقها بما لا يتعارض مع جلب المصلحة لكل الأطراف المتعددة في المدينة، الأثر الكبير على فعالية وديمومة تحقيق المقومات الرئيسية لجاذبيتها. بالإضافة إلى ذلك، استطاعت قيادات الحكومات المحلية وأجهزة التخطيط المعنية بالتنمية والتطوير عدم ترك تخطيط وتصميم المدينة والمباني العامة والخاصة تخضع لرغبة المستثمرين وحدهم والذين يسعون فقط لمضاعفة الأرباح المالية، ولا للرغبة الشخصية لبعض الأفراد والتي من الممكن أن تعيق التطوير والتنمية.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر