تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

عمارة تأثيثها من تفاصيل الذاكرة والواقع والمخيال

February 25, 2018

 

يُعدّ الشكل الهندسي العام للمبنى أو المخطط، تشكيل الفراغات، درجة البساطة أو التعقيد، كتلة المبنى، نوعية المواد المستخدمة والألوان، عناصر معمارية غنية بالرموز. مفردات معمارية كالأعمدة، الجدران والزخارف، وظفها مؤثثو الفضاء لإثراء المدلول الرمزي لأعمالهم.

فالمعمار منظومة معرفية متكاملة تجمع اللغة والفكر والعقائد بحيث تكون فيها البناءات والإنشاءات مادة ملموسة قابلة للتعامل معها كظواهر تمثل مؤشرات تحمل في طياتها أفكاراً وقيماً ومعايير ثقافية تعبّر عن تطلّعات صانعيها وتمكّنهم من الحفاظ على ذاكرتهم. تتحرّك هذه المنظومة وفق نُظم شرّعها المجتمع وقوانين ثابتة منظمة حسب منهج موحّد ومحكم في آن. ولا تكون قيمة دلالته فاعلة إلاّ في مجال المنظومة التي تنتمي إليها طبقاً لمعجم رموز موحّد تضمن درجة الإدراك المطلوب لهذه الدلالات المرئية والثابتة.

أن الكتل البنائية الممتدة بصرياً وباتجاهاتها الأفقية والعمودية، التي تجمع بين التعقيد والبساطة وتتراوح إدراكاتها الحسية بين رمزيتها وفاعليتها الوظيفية، سواء كانت على مستوى الوحدة أو النظام ماهي إلا مكتسبات لمتساكنيها تعود إليهم ونفك أحجيتها بوجودهم. هؤلاء الذين هم مختبر نتاجهم، إنهم يحللونه، يقيمونه عبر ما هو مناسب أو غير مناسب تبعاً للتطابق أو عدمه من سلوكياتهم ونفسياتهم وحاجاتهم وعلاقاتهم. فالعمارة تعبير عن ردّ فعل الإنسان تجاه محيطه. فمن الصعب الفصل بين العمل المعماري ووظيفته العملية والرمزية.

يتعامل الإنسان مع العمارة على أنها وسيلة اتصال، فالمسكن لا يمكن أن يكون مجرد مأوى للحماية من العوامل البيئية بل يحتوي المسكن على جملة من التعبيرات الرمزية المعقدة التي تسدّ عدداً من الاحتياجات النفسية لمستخدمي الفضاء. يؤلّف السكن صورة لعلاقة التّمفصل بين الحاويات ومحتوياتها الرمزية، فلا معنى هنا للمقابلة بين السكن بوصفه مادياً قائماً على تحول هندسي وظيفي للمكان والسكن باعتباره معيشاً ومتخيلاً مشحوناً بالتمثلات والرموز، لأن عملية التحويل ثم الاستغلال تتم وفق نماذج ثقافية مستمدة. ولعلّ الكيفية التي نعيد بها إنتاج وعينا بالمكان تتمّ عبر التحولات التي تحدث في مكونات السكن ووفق ما يحدث من تحولات تكون الإشارات والرموز والابتكارات تحت سقف التجربة والادراك والتخيل.

يتجلّى الرّمز نقشاً وحفراً ونحتاً ورسماً، أشكالاً هندسية، نقطاً، خطوطاً منكسرة أو مستقيمة أو متعرّجة، هيئات هندسية تجريدية. تختلف التقنيات والأساليب بتنوّع المحامل. وينتج الأثر وليد ذاتية صانعه، والعناصر المادّية المكوّنة له. رموز ورسوم وزخارف تتناقلها الأجيال عبر الذاكرة الجماعية. هذه الذاكرة هي حافظة التراث وقد وصفها بول روبرت (بأنها الملكة التي تجمع وتحفظ المدركات الماضية وما يرتبط بها. وهي في الواقع الفكر الذي يخزن ذاكرة الماضي). فالرمز هو الإشارة الصادقة التي توضح تاريخية التراث ومعانيه. لنستنتج من تعدّد الرموز المتناقلة -على اختلاف محاملها-أن المجتمع هو الذي يحدّد قيمة الرّمز وهو الذي يضفي على الأشياء الماديّة معنى معيناً فتصبح رموزاً.

ولعلّ باستثمار مدوّنة من الرموز والعلامات الشعبية ماثلة في فضاءات معمارية تقليدية نكون قد أدركنا ماهية الدلالات المرئية والثابتة. كما تسمح هذه الشواهد بقراءات متماسكة ومتعدّدة بين المادي واللاّمادّي. أفضية سكنية قادرة على اختزال الرّموز الثقافية للمجموعات البشرية وتقاليدها ومهاراتها المعرفية في لغة مشفرة تعتمد المجاز والتجريد. ويحمل الجانب المادي من هذه المنشآت أفكاراً ورموزاً متعارف عليها تتناقلها المجتمعات تباعاً فتكوّن مخزونها الثقافي.   

فالعمارة طوعها الإنسان لما يمكن أن تحمله هذه الرموز في توفير العديد من حاجياته وتأكيد هويته. اختلاف المدن خاصة منها التقليدية نتج من اختلاف الرموز التي تحتضنها هذه التجمعات. والمبنى بغلافه الخارجي وفراغاته الداخلية وسيلة مهمة لإشباع حاجة الإنسان في التواصل مع الغير ونقل المعلومات.

ولعلّ المعماري يعلق أهمية كبرى على فكرة الرمزية، وهو باستمرار يستخدم رموزاً مختلفة ومفردات معمارية مميزة. مفردات معمارية كالأعمدة، الحوائط، الأقبية والقباب، الزخارف والفتحات الدائرية التي استعارها بعض المعماريين من حقب زمنية مختلفة لإثراء المدلول الرمزي لمقترحاتهم التصميمية. هذه الاستعارة تبقى سطحية إذا ما انعدم انسجام هذه المفردات مع بقية المكونات الفراغية والوظيفية للمبنى الملتصقة به. في كثير من المباني المصممة حديثاً تظهر عناصر" دخيلة" لصيقة بالواجهة أو الواجهات الرئيسية دون مراعاة للمبنى والمحيط. يبدو أنه لا تزال هنالك صعوبة في فهم الرمزية وبالتالي استخدامها بطريقة فعالة لإثراء البيئة المعيشية للإنسان.

لضمان عمارة ذات مضامين رمزية معبرة، هناك حاجة للسعي في اتجاه اقتراح تصاميم معبرة عن البيئة، ذات هوية مميزة ومستخدمة لمفردات معمارية مقروءة. يمكن تحقيق ذلك من خلال النظر إلى العمل المعماري وارتباطه بالمحيط. من الصعب رؤية العمارة كانعكاس لفكر فردي في الوقت الذي تشير فيه كل الدلائل على أن العمارة هي نتاج اجتماعي جماعي. يمكن رؤية ذلك في ثراء القيم المعمارية للمدن المحلية. الدعوة هنا إلى التمعن في صروحنا الموجود برؤى واقعية، لأنه في الواقع لا يمكن الرجوع للماضي. لكن ما يمكن تحقيقه هو العمل على تقليص الفجوة التي عزلت الكثير من المصممين عن البيئة الموجودين بها، من خلال النظر في الماضي. يتأتى هذا بالاستمرار في تبني وتشجيع مزيد من الأبحاث في العمل المعماري عامة والرمزية على وجه التحديد.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر