المسكن الحلم بين الشك واليقين

February 25, 2018

 

تعود بي ذاكرتي أحياناً إلى الماضي ليمر شريط طفولتي أمام عيناي والذي كان مرتبطاً كثيراً ببيتنا القديم. عندها استرجع ذكريات مازالت تأخذ حيزاً في مخيلتي رغم صغر سني، فأجد نفسي أرسم في مخيلتي مخططاً خيالياً لبيت الطفولة الذي عشت فيه وأبدا أتجول بداخله مستفزاً كومة من الذكريات المتراكمة والعالقة في ذهني. أحاول كمعماري أن اكتشف السر في دهاليز ذلك البيت وسر تلك العلاقة التي كانت تربطني بفراغاته. ثم لا ألبث إلا وأراني قد تخطيت حدود المنزل لأجد نفسي في شارع حارتنا القديم وسط صخب حميم. مجموعة من الأطفال توسطوا الشارع ليلعبوا كرة القدم ويملأهم الحماس لدرجة أنه يخيل لأحدهم أنه يلعب على أرضية ملعب حقيقي مكسو بالعشب تحيط جنباته مدرجات مليئة بالمشجعين. على الجهة الأخرى من الشارع يجلس أحدهم على عتبة منزلهم يصرخ معلقاً على أحداث تلك المباراة وكأنه داخل كبينة لأحد المعلقين لإحدى النهائيات. وعلى قارعة الطريق هناك بسطة للمأكولات الشعبية يشرف عليها أولاد جارنا أبو محمد. ثم تتجه صوبي جارتنا وهي تقول لي أمك موجودة؟ فأقول لها نعم فتعتلي عتبة الباب لتطرق الباب وتدخل مناديه يا أهل البيت. أسير بلا شعور تجاه نهاية الشارع لأدخل بقالة عم راشد الذي لم يكن لديه أبناء ولكنه جعل من كل أطفال الحارة أبناءً له. ثم أتخطاها لأجد نفسي على قارعة الشارع العام الذي كانت جدتي تحذرني من أن اتخطاه وكأن معدل الجاذبية معدومة خلف حدوده. هذه التفاصيل والذكريات التي ربطتنا العمارة بها بشكل متكامل ومتجانس مع منظومة الحي والعمران هل كانت وليدة الثقافة المحلية والحالة الاجتماعية حينها أم كان للتصميم الأثر الأكبر في رسم ملامحها؟ فأعود من حالة اللاوعي لأتسائل لماذا لم تعد قيمة البيت والحارة وأثرها في تشكيل النسيج الثقافي والاجتماعي كالسابق؟ لماذا كثير من المحاولات الجادة لتقييم عمارة المسكن وتغير مفهومها إما لم يحالفها النجاح أو كانت على استحياء أو محصورة على فئة معينة؟ يقضي الإنسان ما يقارب تسعون بالمائة من الوقت في فراغ داخلي، إما في البيت، داخل السيارة، أو في مقر العمل أو الدراسة. لذلك فإن لتلك الفراغات الأثر البالغ على تشكيل سلوك الإنسان وتفاعله مع المحيط. لو أخذنا لمحة بسيطة على المتغيرات التي طرأت على المسكن السعودي منذ اكتشاف النفط مروراً بفترة الطفرة لوجدنا أن هناك تدخلات كان لها الأثر البالغ على إعادة صياغة أسلوب حياتنا ونظرتنا تجاه المسكن وعلاقتنا مع الماضي. والتي كانت في بدايتها محاولة (للهروب) وتحولت مؤخراً إلى حالة من (الاشتياق)، على سبيل المثال محاولة الهروب تلك بدأت بتغيير شكل المنزل عن طريق استحداث السور الخارجي والفناء المحيط به والذي استبدل بالفناء الداخلي فكان سبباً في تغيير مفهوم الخصوصية والأمان وعزلنا بشكل أو أخر عن حدود الشارع وعن الطبيعة المحيطة. حتى على مستوى النشاط الاجتماعي والعلاقات بين السكان كان لذلك التغيير السلبي في نظري سبب في تغيير تلك العادات وتعريف الحي بشكل عام. لنتحول بعدها إلى حالة الاشتياق ونتسائل متى كانت آخرة مرة سمحت لأطفالي اللعب أمام المنزل؟ لا أذكر آخر زيارة قمت بها للتبضع من أقرب متجر للمواد الغذائية مشياً على الأقدام؟ حتى عندما نذهب للمسجد أصبحنا نفكر في خيار استخدام السيارة كحل أمثل وأكثر أماناً. أما على مستوى البرنامج الفراغي داخل المنزل أصبحت المساحات أكبر من أي وقت مضى. جزء كبير من مساحة المنزل أصبحت مخصصة لاستقبال الضيوف فقط أو ذات الاستخدام الواحد. وللأسف أن هذا الجزء من المنزل أصبح مكاناً مغلقاً غير مستخدم بشكل دوري خالي من التهوية الطبيعية أو الضوء ومكاناً معزول مهدر وغير صحي أو قابل للأهلية. لذلك فإن مفهوم الاستخدامات وتقسيم المنزل إلى فراغات أحادية لم يعد فعالاً ويجب أن نغير نظرتنا ورؤيتنا لمتطلبات المنزل اليوم فنحن نعيش في عصر مختلف و ظروف ليست كالتي عاشها من هم قبلنا. لذلك أرى بأن مرحلة الهروب التي تبعتها الآن حالة من الحنين يجب أن تنتقل إلى حالة (الحُلم) الذي قد يربطنا بشكل أو آخر بالمستقبل. ولأن المنزل يلامس جزء كبير من خصوصيتنا فإن أي محاولة للمساس به أو تطوير الصورة النمطية له أو تحليل الفضاء الاجتماعي الخاص به يمكن أن تتطور إلى ردة فعل شديدة أو جدال محتدم قد ينتهي برفض الفكرة كلياً من قبل الآخر، وأقصد هنا بالآخر هو صاحب ذلك المسكن. لذلك أرى بأن تغيير تعريف المسكن الحالي يجب أن يبدأ من المستخدم وليس العكس. لكن قبل هذا دعونا نتسائل ماذا يعني لنا ذلك المسكن؟ هل هو عبارة عن فراغ أم فضاء؟ كومه من الذكريات أم مجرد شعور بالوجود والانتماء؟ هل نستطيع أن نطلق عليه مسمى (بيت) أم هو مجرد (منزل)؟ هل هو في الأساس منزل ومع مرور الوقت تحول إلى بيت؟ هل يعد مكاناً مثالياً للعيش، أو هل من المفترض أن يكون مثالياً في الأساس؟ هل هي علاقتنا مع الفراغ، المشاعر، الذكريات المتراكمة، التجربة، والانتماء هي من كونت صورتنا المثالية أو السلبية للبيت الذي نعيش فيه أم هي نتاج لقرارات وأفكار المصمم المعماري. يصور غاستون باشيلارد في كتابه الشهير "شاعرية الفراغ" البيت بالوعاء المليء بالذكريات كما يؤكد على أهمية المسكن في تطور الخيال البشري الذي هو دائماً في حالة بحث مستمر عن معنى البيت عبر الحنين إلى الماضي. ولكن لماذا لم يوفر المسكن الحالي حالة عكسية مماثلة تربطنا بالمستقبل عوضاً عن تعلقنا بالماضي؟ طرحت الكثير من التساؤلات ولَم أجب عليها عمداً، لأنها قد تجمع أكثر من رأي وتتحمل أكثر من إجابة. لكن الغرض الأساسي من تلك التساؤلات هو زرع "الشك" في أنفسنا والذي به قد نغير تلك الصورة النمطية المرسومة في مخيلتنا عن ماهية المسكن والذي آمل أن يقودنا إلى اليقين بقدرتنا على تحقيق "الحلم" للوصول إلى مكان مثالي نطمح للعيش فيه. 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي