تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

المساحات العامة لمدن سعيدة

 

يكثر السفر للخارج بهدف التغيير. فما الذي يمنح بعض المدن السعادة لتدعو زوارها للعودة إليها دوناً عن غيرها. أحد الأسباب التي تضفي ذلك التميز للمدن هو انتشار الأماكن العامة, ولست أشير إلى الحدائق الموجودة في كل مدينة أو أماكن المشي بل تلك الأماكن التي ترحب بمرورك بها وتجبرك على جعلها محطة في يومك دون وعي أو قصد.

على سبيل المثال مدينة كمدينة الرياض, عند النظر إليها ستجد الطرق وتقسيم الأراضي حاصل وفقاً لشبكة مربعات مترابطة, تعمل الشبكة على تقسيم أراضي المدينة لشوارع أفقية وعامودية ونقاط اتصال متقاطعة. قد فرض هذا التقسيم تلقائياً ارتفاع في الطلب للتمركز في مواقع معينة للحاجة وغرض توفير الوقت على المستخدمين كما ساهم ذلك تباعاً في رسم حدود وتوقعات لكتل المباني في هذه المناطق ثم تحديد أفضل طرق استخدام لهذه المباني بفراغاتها المعمارية كل هذا يحدث وفقا لما يعرف بتخطيط المدينة.

قد يبدو ذلك ناجحاً من منظور اقتصادي وعملي لكن أين هو من المنظور الإنساني البيئي؟ فحسب مانشرته صحيفة الجاردين البريطانية في دراسة لأهمية تخطيط المدن بشكل إنساني فإن شكل المدن يساهم بتشكيل شخصيات سكانها وتصرفاتهم بشكل كبير. في الواقع, قد تقدم هذه الدراسة تفسيراً منطقياً للفروقات بين سكان المدن الخضراء كمدينة ستوكهولم التي صنفت حسب صحيفة التيجلراف كأنظف مدن العالم لعام (2017م) مقارنة بالمدن المزدحمة في تنظيمها وتتابعها كالقاهرة مثلاً التي صنفت من أكثر المدن إثارة للتوتر والاكتئاب.

لمفهوم أكثر إنسانية ومدن أكثر استدامة نحن بحاجة للمساهمة بخلق مفهوم يربط بين ذلك التخطيط الاقتصادي للمدينة وتطلع السكان لمدينة تحتويهم بكافة أرجائها داعية إياهم لممارسة مختلف الأنشطة. وبالفعل قد بدأنا نشهد رغبة العديد في وجود مساحات مفتوحة حرة كجزء من المنزل, المكتب أو المعاهد التعليمية مما يدل على شعبية هذه المساحات فلم لا يتم تصميمها على مقياس أكبر وتقديمها كجزء لا يتجزأ من تخطيط المدن الاقتصادي المستقبلي؟ تحقيق هذه المعادلة يتطلب العمل على تطوير المناطق بهدف رفع استخدامها حيث تعمد المساحات العامة على الترويج للأنشطة الإنسانية كالمشي واللعب والتعارف والأكل إضافة لعامل الأمان.

ساحة مكتبة الملك فهد الوطنية يتم استغلالها بشكل جميل أحيانا لإقامة بعض الفعاليات, فلم لا يستمر هذا الاستغلال بشكل دائم ؟ جلسات دائمة مطلة على الشارع, مقاهي صغيرة أو شاحنات لتقديم القهوة والوجبات الخفيفة, وتجارب تحفز الأنشطة الثقافية المتعلقة بالمكتبة وتجذب محبي القراءة للتواجد حتى خلال استراحات العمل القصيرة للمكاتب المحيطة قد تجعل من هذه الساحة وقفة للعديد. غيرها ساحات عديدة مثل ممشى الملك عبدالله بمدينة الرياض وجزيرة المرجان بالدمام وجسور المشاة القاطعة للشوارع تستوقفني لأتسائل دائماً ما الذي يمنع اقترانها بمراكز الاهتمام في وسط المدن وجعلها مقر لممارسة مختلف الأنشطة خلال اليوم؟

قد يرى البعض أن المانع دون استغلال هذه المساحات أو خلقها حتى في محيط صغير بالمنزل أو المكاتب هو البيئة الصحراوية بمناخها الحار, وكيف لذلك أن يسهم في تقليل رواد هذه الأماكن عدا في موسم الشتاء إضافة لعدم قدرتها على مواكبة توقعات المستثمرين اقتصادياً, لكننا نغفل عن حقيقة أن تطور العمارة الحاصل على مر السنين واقترانه بالتكنولوجيا قادر على طرح حلول لمجابهة الظروف المناخية المختلفة, فمنذ تمرد المعماريون على نمط التصميم التقليدي للبناء عام (1972م) عبر هدم مبنى (بيرت لجو) السكني في جنوب الولايات المتحدة تعبيراً عن بدء حقبة جديدة في التصميم المعماري أظهرت العمارة قدرتها على التشافي من الجمود والتحرك نحو تصاميم اجتماعية تعكس قيم المجتمع الحديث وتطلعاته وتشكيل مدنه الجديدة.

ولم يتوقف ذلك التطور فالمعماري (جين نوفيل) قدم حلول للتحكم بكمية أشعة الشمس المتسربة لداخل المبنى في المعهد العربي في باريس عبر تصميم خلايا متحركة تنكمش وتنفرد حسب رزمة الأشعة الموجهة إليها, ناقلاً التجربة لمدينة أبوظبي في تصميمه لمتحف اللوفر بقبة متطورة تعكس ظلالاً جميلة من أشعة الشمس الصحراوية.

بالإمكان تطوير التكنولوجيا لخلق مساحات عامة مفتوحة وآمنة للجميع في أي وقت وأي مناخ لتصبح ساحة مكتبة الملك فهد الوطنية أو جزيرة المرجان أو أحد جسور المشاة الغير مستخدمة شيئاً مشابهاً للخط العالي في مدينة نيويورك مقدماً مساحات طبيعية وسط صخب المدينة وكاسراً كل الحدود الخرسانية.

فشكل المدن سينحت دائماً شخصيات سكانها.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر