أثر الثقافة في التنمية المستدامة

 

إن التنمية المستدامة هي قضية حاسمة لمستقبل الإنسان على وجه الأرض، وتهدفُ لخلق نمط حياة مستدام للأفراد والمجتمعات يقوم على ثلاثة مرتكزات (البيئة والاقتصاد والمجتمع)، لذا فإن أية تنمية لأجل تحسين حياة الإنسان إن تجاهلت مرتكزاً واحداً من هذه المرتكزات الثلاث فإنها لا تمضي في الاتجاه الصحيح. وبالرغم من نجاح نموذج التنمية المستدامة في البلدان المتقدمة فإن ذلك لا يعني نجاحه في كل بقاع العالم بتطبيق ذات الاستراتيجيات والأساليب خصوصاً في البلدان النامية؛ فلكل بلد خصائصه ولكل شعب سياقه الاجتماعي والثقافي، والمتغيرات الثقافية هي أحد أهم الأسباب التي حالت دون تحقيق أهداف الألفية التي أطلقتها الأمم المتحدة حتى العام (2015) ما دعى بالاقتصاديين إضافة (الثقافة) كمرتكز رابع للتنمية المستدامة(كوبر وسايمن،2009). تهدف هذه المقالة لتعريف القارئ بدور الثقافة وأهميتها في التنمية المستدامة.

تتعدد معاني الثقافة وتعريفاتها باختلاف التخصصات, إلا أنه وبشكل عام فطبيعة الثقافة في سياقها أمر غير ملموس يتعلق بالأفكار والمفاهيم، وفي قلب العلوم الاجتماعية فهي جزء أساسي للإنسان بل ويعتبر الإنسان كائناً ثقافياً يشكّل نمط حياته من خلال التقاليد والقيم والمعتقدات التي يعتنقها وتحدد سلوكه وممارساته ونوع غذائه وملبسه، ويتم تلبيتها كمتطلب واحتياج ثقافي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالبيئة العمرانية، فالثقافة تأخذ أشكالاً أكثر تنظيماً كالمساجد والمعابد والملاعب والساحات والمعارض ..إلخ. وكل فرد من أفراد المجتمع يتوقع أن تستجيب التنمية لاحتياجاته الثقافية.

لا ينظر للمعمار اليوم على أنه تلبية لحاجة السكن والإيواء فحسب، وإنما انعكاساً لثقافة الشعوب وقياس مدى تمدنها الحضاري كما ذهب بعض المعماريين المتأخرين من أمثال (آموس رابوبورت) بأن العمارة مقياس للمدنية، والبيئة المبنية هي نتاج ثقافي، فالمنتج المادي النهائي يتشكل عبر الثقافة المكتسبة(رابوبورت،2005)

يقوم المهندس المعماري بالاستجابة للاحتياجات البشرية وحل المشاكل منطقياً من خلال التصميم، وبكون التنمية المستدامة تهدف إلى خلق مجتمعات أفضل وتحسين حياة الإنسان، فإن المعماري يجد الاستدامة متطلباً وليس أمراً كمالياً، وفي حال تجاهل المعماري أياً من مرتكزات الاستدامة خصوصاً فهم السياق الثقافي فإن ذلك كفيل بخلق مشروع يشكّل حجر عثرة للمجتمع ولا يساهم في تحسين حياة الناس. فعلى سبيل المثال يذكر المعماري رابوبروت في كتابه (الثقافة، العمارة، والتصميم) المشروع الذي صممه المهندسون المعماريون الفرنسيون في قرية بشمال أفريقيا حيث لم يأخذوا في الاعتبار السياق الثقافي للمجتمع، وكان المشروع يهدف لتمديد شبكة للمياه النظيفة لكل منزل من أجل حل مشكلة توفير المياه للاستخدام السكني حيث كنَّ النساء في صباح كل يوم يجلبن المياه يدوياً من البئر، وجاء المشروع للتخفيف من معاناتهن بتوفير المياه للمساكن إلا أن المشروع قوبل بالاستياء والرفض من قبل السكّان، وبعد التحري والفحص تلاحظ أن المشروع أبقى النساء معزولات عن نشاط اجتماعي يومي هام يكمن في الالتقاء بالنساء الأخريات وكان اللقاء عند البئر طقساً اجتماعياً أساسياً لا يتخلون عنه.

ومثال آخر في تجاهل السياق الثقافي من سلطنة عمان حيث عكفت وزارة السياحة على مشروع لبناء غرف فاخرة للسباحة والاستحمام بـ(ولاية الرستاق) بجانب (عين الكسفة) وهي عين تنبع مياهً كبريتية من باطن الأرض ويقصدها السياح والأهالي طوال العام، وكان هدف المشروع تطوير المنطقة وتنشيط الحركة السياحية والتجارية بما يعود بالنفع على القاطنين, إلا أن المشروع بمجرد اكتماله واجه معارضة من الأهالي كونهم في مجتمع محافظ يرفض بعض الملابس من السياح، والأهم من ذلك ظهور خلاف على توزيع حصص المياه من العين للمزارعين في البساتين المجاورة للمشروع، وحصص المياه لها أهمية اجتماعية بالغة حددت لها قوانين اجتماعية وشرعية لا يسمح بمخالفتها والمساس بها.

العنصر الثقافي أصبح سمة أساسية في توجيه اعتبارات المصممين والمخططين الحضريين فالثقافة تؤثر على النسيج العمراني بشكل ملحوظ ولها من الأهمية أنها تشجّع مشاريع التنمية أو تثبطها، وهي بالإمكان أن تحدد موقف المجتمع من التصميم بالقبول أو الرفض بما يتماشى مع أفكارهم وقيمهم ومعتقداتهم التي تحدد نمط حياتهم، وأصبحت السياسات الثقافية ذات أهمية ما أدرجها ضمن مرتكزات التنمية المستدامة.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي