تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

الواحة نموذج البقاء في الصحراء

 ترتفع الأصوات المحلية نحو التوجه للإستدامة والمدن الخضراء في عالمنا العربي. وعلى الرغم من نبل هذا التوجه البيئي. إلا أن هناك العديد من التساؤلات إن كانت هذه الدعوة مفيدة لنا ولبيئتنا، أم أنها مجرد تقليد للتوجه العالمي؟

يظهر ذلك بوضوح في (الأجندة) التي يتبناها بعض المختصين لدينا. خصوصاً تلك التي تركز على زيادة الغطاء النباتي للمدن أو حتى البدء في عمليات التدوير والحفظ للمياه. فعند النظر لواقع بيئتنا الصحراوية، نجد أن معظم هذه البنود تعد من النقاط التي لها جانبين من الرأي. فأهمية الغطاء النباتي تقل على سبيل المثال إذا ما تم مقارنتها بتوفير المياه في المقابل. وعلى الرغم من أن هذه الحلول ممكنة على أرض الواقع. إلا أنه من المهم الوقوف فعلياً على المتطلبات التي تحتاجها هذه الأجندة. لكن هل يعني ذلك أن نتخلى عن أجندتنا البيئية؟

هناك أفكار تبدوا أكثر ملائمة لمفهوم الإستدامة ونابعة من بيئتنا المحلية. أبرز هذه الأفكار هي (الواحة) بإعتبارها توجهاً نحو بيئة خضراء مستدامة في قلب الصحراء. كنموذج قد يمكن تطويره بمفهوم معاصر وحديث.

 

الواحة كمصدر مستدام:

تمثل الواحة بكل تفاصيلها نموذج مثالي لتحقيق الإستدامة في البيئة الصحراوية. إلا أن إشكاليتها الأولى تكمن في قلة الأبحاث والدراسات التحليلية لهذا النموذج البيئي. فهل يمكن إستخلاص مفاهيم من الواحات للخروج بأجندة بيئية خاصة بنا؟ هذا التساؤل قد يكون مسار علمي وبحث مستقل وطويل، إلا أنه يمكن أن يحدد لنا رؤية جديدة لإعادة هيكلة المدن والفراغ العمراني المحلي يتناسب مع واقع البيئة التي نعيش بها. قد يكون من المجدي في هذه الصفحات أن نستعرض وبشكل عام بعض الخطوط العامة التي يمكن أن نجدها في الواحة بإعتبارها نموذج مستدام.

 

أولاً: التركيز البيئي:

فكرة الواحة تقوم على وجود منطقة محددة وسط الصحراء. هذا التواجد يمكن وصفه بأنه تركيز للممارسة البيئية في وسط بيئة صحراوية. فليس من المعقول أو المنطقي أن يتم زراعة الصحراء بأكملها!؟. قياس هذا التركيز البيئي مع مدننا الصحراوية، يطرح تساؤل حول إذا ما يتوجب علينا أن نزرع أو نشجر المدينة بالكامل أم لا؟ أو بمعنى آخر.. هل سيكون من الأفضل التركيز في مناطق معينة من المدينة؟ في الحقيقة، الإجابة على هذا التساؤل قد تكون مربكة جداً. فعملية الإختيار أو الإجابة بنعم أو لا، ستضعنا في  موقع إما القبول أو الرفض.

فكرة التركيز البيئي يمكن توظيفها ضمن مناطق معينة داخل المدن، كالأحياء السكنية، والمحاور التجارية والفراغات الخارجية ذات الإستخدام النشط. هذه الفراغات قد تكون ذات أهمية مقابل الشوارع والطرق الرئيسية أو الميادين الكبرى وسط الشوارع والتي لا يتم الوصول إليها من قبل المشاة على سبيل المثال. فلو كنا أمام خيار بين تشجير طريق سريع نمر به ونحن نجلس في مركباتنا وبين ممر أو طريق داخلي يؤدي إلى المسجد داخل الحي السكني، لكن من الأجدى أن نختار الخيار الثاني. وهذا ما نقصده بالتركيز البيئي، أن تكون ممارسة التشجير داخل المدن ضمن نطاقات محددة ذات مردود بيئي مباشر على المجتمع.

 

ثانياً: التظليل، الماء والهواء:

عند تبسيط أي واحة. نجد أن هناك عناصر أساسية لها. هذه العناصر تتمثل في توفير التظليل والماء والهواء أو النسيم البارد. وهي عبارة عن معالجات مناخية للبيئة الصحراوية التي تضم هذه الواحة. وهنا يكمن مفهوم بيئي ومستدام رائع. حيث ليس الهدف رفض البيئة ومحاولة تغيرها. بل الهدف هو تكييفها والتماشي معها وتطويعها. ولذلك يلعب الظلال دور هام في حجب أشعة الشمس. بينما يرطب الماء مسارات الهواء التي تمر به لتوفير مناخ حراري معتدل مقارنة بالصحراء.

قد يكون هذا المبدأ مهم جداً في رسم ملامح الفراغ الخارجي في مدننا. خصوصاً أن هناك جدل بين إمكانية توظيف هذا الفراغ في ظل المناخ الحار وبين الفئة التي ترى إمكانية ذلك. تطبيق المبدأ ضمن الفراغ الخارجي لا يعني التشجير وحسب. فالظلال يمكن تكوينه بعناصر معمارية مختلفة، كالمظلات والبراجولات وغيرها من العناصر المعمارية التي توفر الظلال. بل أن حتى المباني وإرتفاعاتها يمكن أن تحقق هذا التظليل إذا ما تم دراسة حركة الشمس والتكوين العمراني لها. وكذلك الأمر بالنسبة للعنصر المائي والهوائي. فالقضية ترتبط أكثر بالتكوين العمراني وكيفية تحقيق لهذه العناصر الثلاثة كجزء من التكوين وليس كعناصر مستقلة لا ترتبط بالمحيط.

 

ثالثا: النسيج المتضام:

الواحات تأتي ضمن نسيج متضام يتجه نحو الداخل. وهذا ما يكمل الوظائف التي تقوم بها العناصر الثلاثة السابقة (الظلال/الهواء/الماء). ولذلك فإن توفر هذه العناصر في نسيج غير متضام لا يحقق الفائدة المرجوة منها. وهنا تظهر إشكالية الفراغ العمراني للمدينة العربية الحديثة بنسيجها الشبكي. وهنا كذلك تظهر أهمية (التركيز البيئي). التي أشرنا إليها سابقاً. فتحديد المناطق الملائمة لتلعب دور الواحات. سيكون وفق معايير تتحقق فيها مفاهيم الواحة ودورها المناخي. وبالتالي إمكانية إعادة مدننا الحالية نحو توجه مستدام وضمن مفهوم بيئي محلي. إلا أن تحقيق ذلك على أرض الواقع يواجه العديد من التحديات، بيد أنه ليس مستحيلاً. ولعل فكرة تفكيك المناطق الداخلية للنمط الشبكي وإعادة تصميم الفراغات البينية قد يحقق صورة جزئية من هذا التغيير، دون الوقوع في مصيدة الحلول البيئية الغير متوافقة مع المعطيات لبيئتنا.

 

تجارب عربية:

ظهرت خلال السنوات الماضية عدد من التجارب التي تبنت فكرة الواحة، بعض هذه المشاريع جاءت مستقلة كمدينة مصدر في أبوظبي على سبيل المثال، وبعضها جاءت ضمن عمليات التطوير للمناطق القديمة داخل المدن أو حتى إعادة تفعيل العناصر البيئية كمشروع وادي حنيفة بالمملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من المحاولات الجادة، إلا أن الواحة بمفهومها العام وتطبيقاتها السهلة، لا تزال مليئة بالأفكار البسيطة التي يمكن أن تستخلص منها حلول عمرانية تلائم بيئتنا المحلية، وبشكل يعزز مفهوم وروح الهوية المحلية. إلا أن الأهم من ذلك هو البدء في تطوير مفاهيمها البيئية والمناخية ودمجها مع ما توصلت إليه التقنية الحديثة في المجال البيئي. فالمحلية لا تعني أن نغض الطرف عن ما وصل إليه العالم من تقنيات يمكن توظيفها بما يناسبنا. خصوصاً أن المعيار يختلف من مناخ لأخر ومن بيئة لأخرى. فقضية البيئة في نهاية المطاف، هي قضية وعي. بمعنى أن نستوعب محيطنا الخاص ونعمل على التكامل معه وليس تغييره حتى وإن كان هذا التغيير يعتمد على توظيف حلول بيئية عالمية!

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الأول للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر