تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

المباني الخشبية العالية: التكنولوجيا للعودة المحلية

عندما ظهرت الخرسانة في البناء إحتفى المعماريون بهذا التحول الذي ساهم في التوسع بأفكارهم وخيالهم. وكذلك كان الأمر مع الصلب وبداية الهيكل الحديدي ومن ثم كان مع أسلوب البلاطات الخرسانية أو الهيكل الخرساني. فكل هذه المواد ساهمت في ظهور العديد من الأعمال المعمارية المبدعة التي مثلت نوع من الخروج عن دائرة البناء التقليدي القديم والشكل الصندوقي. إلا أن هذه الموجه بدأت اليوم بالإنحسار تدريجياً في ظل التوجه البيئي. فلم تعد المواد التي حررت أفكار معماريو الحداثة في القرن العشرين ذات أهمية كبرى. حيث تظهر أصوات لمعماريين كثر، تنادي بالعودة إلى مواد أكثر توافقية مع البيئة وأقل تصادماً معها. فليس المهم هو تحرير الشكل المعماري بل المهم هو الحفاظ على البيئة.

 

الخشب يعود من جديد:

يتداول الخشب اليوم في مجالات العمارة والبناء كبديل لمواد البناء الحديثة (الخرسانة/الصلب). هذا التداول مدعوم بتوجهات وأفاق جديدة، أعادة إكتشاف الخشب وكأنه مادة جديدة لم تكن موجودة على الأرض منذ القدم. تمثل هذا الإكتشاف في رفع قدرة الخشب كمادة إنشائية ذات كفاءة عالية. ليس على مستوى المنازل الصغيرة بل على مستوى الأبراج أو المباني السكنية العالية. وعلى الرغم من التشكيك الذي صاحب هذه الدعوة منذ بدأت قبل سنوات قليلة مضت. إلا أن العالم اليوم ينظر بدهشة لعدد من النماذج المنفذة على أرض الواقع وكأنها مباني غير حقيقية. وفي ظل هذه الدهشة العارمة، يبدوا أن هناك المزيد من التوجه مستقبلاً نحو ذلك. فما الذي يحدث هذه المرة؟

 

التكنولوجيا.. الأداة الخفية:

خلال السنوات الماضية ساهمت التكنولوجيا في صناعة الأخشاب إلى التحرر من القيود التي فرضت على الخشب كمادة للتكسية فقط. ليبدأ مع ذلك إكتشاف القدرات الخفية في الخشب، صاحب ذلك مسارين هما: البحث العلمي والتوجه البيئي.

فمع التوجه العام نحو تحقيق الإستدامة على أرض الواقع كحل للخروج من المأزق البيئي. تضافرت الجهود العلمية نحو طرح العديد من الأفكار البديلة. من هذه الأفكار تطوير عمليات صناعة الأخشاب كمادة إنشائية يمكن البناء بها وليس لها أضرار على البيئة كونها ذات خصائص (إيكولوجية). تتوافق مع البيئة وليست دخيله عليها. هذا التوجه تحول إلى فكرة إنتاج القوالب الخشبية المعاد تصنيعها من مخلفات الخشب القديمة أو حتى الأخشاب الجديدة. حيث ساهمت التكنولوجيا في إيجاد قوالب إنشائية خشبية يمكن أن تؤدي الدور الإنشائي بشكل فعال.

 

ما الفرق الذي سيحدثه الخشب:

صرفت وزارة الزراعة الأمريكية ما يقارب (2) مليون دولار أمريكي لإقامة مسابقة (Tall Wood)  والتي تهدف إلى إستعراض الجدوى المعمارية والإقتصادية والبيئية من إستخدام الخشب في المباني العالية. والحقيقة أن هذا التوجه لا يقتصر على الولايات المتحدة. ففي كندا هناك تقدم ملحوظ وواضح في هذا المجال. حيث تعد من أوائل الدول التي تسعى لتحقيق المزيد من النجاح في هذا المجال. ولا يختلف الأمر كثيراً في أوروبا أو حتى في دول مثل اليابان والهند. ويمكن تحديد بعض الفوائد التي تمثل نقاط قوة للإتجاه نحو الخشب كبديل على النحو التالي:

 

أولاً: التأثير البيئي:

تشير الدراسات إلى أن الأثر البيئي للخشب في المباني يعد منخفض جداً مقارنة بالمواد الأخرى. فكميات الكربون الصادرة من عملية التصنيع تكاد لا تذكر بالمقارنة مع الكربون الناتج من تصنيع الخرسانة أو الصلب. حيث نُشر تقرير من (سكيد مور) في عام (2013) يشير إلى أن نسبة تخفيض الكربون في الأخشاب تصل إلى (60% - 75% ) مقارنة بالمواد الأخرى. ويضيف البعض إلى أن الخشب لا يعد من المواد الناقلة للحرارة كالخرسانة والحديد والألمنيوم والزجاج. ولازالت الدراسات المخبرية تسعى لتحديد الفوارق الحسابية بشكل دقيق.

 

ثانياً: التكلفة المنخفضة:

ويمكن القول بذلك من جانبين. الأول: هو تكلفة التنفيذ. بمعنى قد يكون سعر الخشب كمادة أعلى من حيث المقارنة السعرية مع الحديد والخرسانة. إلا أنه يعد منخفضاً من حيث (متطلبات التنفيذ) كاللحام أو القطع أو الشدات المعدنية والخشبية أو حتى تكاليف النقل والإدارة والتحكم وضبط المخلفات وغيرها بالموقع. وهذا الفرق يتضح حسب أنصار هذا التوجه في المشاريع التي تم تنفيذها. أما الإتجاه الثاني فهو تكلفة وقت التنفيذ. فالخشب كمادة يمكن التحكم بها وبنائها بشكل سريع. حيث تعتمد على طرق تنفيذية سهلة وممكنة مثل النجارة والمتمثلة في الربط والشد والتركيب. وهو ما يسرع عملية البناء مقارنة بالمواد الأخرى. أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه سابقاً من حيث تكاليف التشغيل والتي تستهلك من الطاقة ما يقارب (ثلث) ما يتم إستهلاكه من الطاقة للمباني بالمواد الحديثة.

 

ثالثاً: ترحيب المعماريين:

الخشب كمادة تعد من أكثر المواد القريبة للإنسان. فنحن نستخدم الخشب لتغطية أرضياتنا وجدرانا الخرسانية كمادة أساسية. ولذلك البناء بالأخشاب لقي قبول لدى الكثير من المعماريين الذين رأوا في ذلك توفير لعمليات إختيار مواد التشطيب والتكسيات. فالخشب يعد ثنائي الميزة. حيث يلعب الدور الإنشائي وأيضا الجمالي للفراغ المعماري. ولذلك لا يعترض الكثير على إستخدام الخشب كمادة.

 

مخاوف واقعية:

يطرح بعض المعماريين والكثير من المهندسين الإنشائيون ومهندسو السلامة. العديد من التساؤلات حول إستخدام الخشب في المباني العالية. هذه التساؤلات يمكن إعتبارها مخاوف مشروعة وواقعية قبل الإندفاع نحو هذا التوجه الجديد، حتى وإن كان مدعوماً من حيث النظرية البيئية، ولكي نوضح ذلك يمكن أن نستعرض هذه المخاوف وفق عدة نقاط رئيسية:

 

أولاً: المخاوف الإنشائية:

هناك تساؤلات حول الهيكل الإنشائي الخشبي من حيث معامل الأمان للهيكل الإنشائي. فمن المعروف أن الخشب قد يكون ممكناً كمادة إنشائية للمباني ذات إرتفاع الدور الواحد أو حتى الثلاثة أدوار. لكن ماذا عن الأدوار التي تتجاوز العشرة أو العشرين طابقاً؟ هذا التساؤل يفتح باب للكثير من الإجابات. البعض يرى أنه من الضروري إستخدام النظام إنشائي مدمج. والذي يدمج ما بين الخشب والخرسانة كمادة هيكلية أساسية، كالأعمدة والقواعد والحوائط الحاملة للمصاعد. ليكمل الخشب العناصر الإنشائية الأخرى وكذلك المعمارية. هذا النظام يعتمد على الخشب المضغوط أو المعالج أو ما يعرف بـ(Cross-laminated timber)، أما الاتجاه الآخر هو الإصرار على إستخدام الأخشاب القوية كهيل إنشائي. وذلك من خلال تفعيل بعض الأفكار التقليدية للمباني الخشبية الكبرى، والتي بنيت من الأخشاب ولازالت قائمة حتى يومنا هذا. وعلى الرغم من أن هذا التوجه يعد ممكناً إلا أن الكثير من الإنشائيين يشككون بإمكانية تحقيق إرتفاعات عالية.

 

ثانياً: مخاوف السلامة:

تثير الحرائق مخاوف كبيرة لدى مهندسو السلامة، خصوصاً إذا ما كان الحديث حول البناء بالأخشاب. وعلى الرغم من تأكيدات صناع الأخشاب إلى أن هناك معالجات لتلافي مثل هذه الخطورة. إلا أنه ومن خلال المعرفة بخصائص المواد يمكن الحكم بديهياً بأن الخرسانة أو الصلب تحتاج لدرجات عالية من الحرارة قبل أن تصل إلى مرحلة الإنهيار أو الإحتراق مما يعني وجود (الوقت) كعامل مساعد لمقاومة الحريق. هذا الأمر قد يكون أقل بكثير لدى مادة كالأخشاب فمعدل الوقت لمقاومة الحريق لن يكون بالجدوى أو المعيار المطلوب للسلامة في المباني العالية، وبالتالي فإن مخاطر الحرائق تعد العائق الأول أمام هذا التوجه الجديد.

 

ثالثاً: مخاوف بيئية:

يستند أنصار التوجه للبناء بالأخشاب إلى أن الخشب مادة إيكولوجية يمكن إعادة إنتاجها من الطبيعة، وبالتالي فإن إستخدامها كمادة بناء يعد أقل تأثيراً من المواد الأخرى. ويستشهد أصحاب هذا القول بأن حرائق الغابات تهدر الكثير من الأخشاب وأن الإستفادة منها قد تكون أفضل من الهدر نتيجة الحرائق. ويعترض بعض أصحاب التوجه البيئي بأن المعادلة الإيكولوجية تتطلب توازن بيئي. وأن عملية التوجه لإستهلاك الأشجار لعملية البناء سوف تساهم مع الوقت للمزيد من الأضرار على البيئة وبالتالي تفاقم المشكلات البيئية.

المباني الخشبية والمدينة العربية

على الرغم من هذه المخاوف بالعموم أو الأفكار والتوجهات نحو البناء بالأخشاب يبقى الأمر مهماً للوقوف عليه ودراسة إمكانياته من جوانب مختلفة. ربما سيظهر الكثير من الإكتشافات التي تؤيد أو ترفض هذا المسار.

قد يكون من الممكن أن نطرح سؤال مهم هنا ويتعلق بعالمنا العربي، فهل سنجد مستقبلاً من يرى أن الخشب مادة جيدة للبناء في بيئتنا العمرانية؟ ولعل السؤال الأهم هو: هل سيكون مبرر ذلك أن العالم يتجه نحو البناء بالأخشاب؟

نطرح هذه الأسئلة لعقد مقارنات سريعة حول مفهوم البيئة والإستدامة، فالخشب يعتبر مورد طبيعي بالنسبة للدول التي أشرنا إليها، إلا أنه ليس كذلك بالنسبة لنا. ومع ذلك أستطاعوا تطوير التكنولوجيا الملائمة لرفع إمكانية هذه المادة الطبيعية ولتحقيق أهداف بيئية. فما هي التكنولوجيا التي نعمل عليها لتطوير مواد المحلية ورفع كفائتها الإنشائية؟ هذا التساؤل قد يكون مدخل لقراءة مختلفة حول مفهوم البناء المستدام.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الأول للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر