سنغافورة التنمية للمدى الطويل

عندما حققت سنغافورة الحكم الذاتي في عام (1959م) كان النقص في المساكن في وسط المدينة المكتظة شديدا بسبب زيادة عدد السكان في فترة ما بعد الحرب، وتدمير المساكن خلال الحرب، بالإضافة إلى تدفق المهاجرين. وعلى الرغم من تلك المشاكل التنموية الصعبة، لم تنشئ الحكومة برنامجا للتجديد الحضري، ولكنها عملت بدلا من ذلك على إنشاء نظام فعال للإدارة الحضرية. وقد بدأ ذلك بإعادة تنظيم وكالات التخطيط والإسكان كخطوة أولى. الأمر الذي دعى إلى إنشاء حكومة مركزية ذات مستوى واحد ساعدت على الإسراع في اتخاذ القرارات. مدعومة بسلطتين جديدتين، هما إدارة التخطيط ومجلس الإسكان والتنمية وذلك في عام (1960م) لتتولى مسؤوليات تخطيط استخدام الأراضي والمساهمة في مجال الإسكان العام في سنغافورة.

بالإضافة إلى ذلك، تم تنفيذ العديد من التغييرات التشريعية في هذه السنوات التي ساهمت في جهود التجديد الحضري اللاحقة. وقد سهل قانون حيازة الأراضي (1966م) إلى إعادة تملك الأراضي من قبل الدولة، مما سمح للدولة بتأمين الأراضي الخاصة للمنفعة العامة دون تكلفة مالية مفرطة. كما أن تعديل قانون التخطيط لعام (1964م) دعم ذلك التجديد، حيث أدخل نظاما للتطوير التنموي، يطالب من المطورين بأن يدفعوا للدولة جزءا من المنفعة الناشئة عن منح إذن التنمية. لكن ما هي القصة لهذا التحول التنموي، وكيف كانت تفاصيلها آنذاك؟

 

التخطيط كبداية

في عام (1959م) اعترفت الحكومة بالحاجة إلى إطار عمل تخطيط شامل لتوجيه التنمية الحضرية. ومع ذلك، فقد استند إطار التخطيط في ذلك الوقت إلى الخطة الرئيسية السابقة لعام (1958م) التي عرقلت النمو الحضري والتنمية الحضرية. ونتيجة لذلك، سعت سنغافورة إلى الحصول على المساعدة التقنية في مجال التخطيط الحضري من الأمم المتحدة، مما أدى إلى تقسيم المدينة إلى (21) منطقة تم التعامل معها كمناطق لإعادة التخطيط، وبدأت فكرة مشاركة القطاع الخاص من خلال بيع مواقع التنمية من قبل الحكومة، مع تقديم حوافز مناسبة والتوجيه حيال نوعية التنمية من القطاع العام. وبتوصية من خبراء الأمم المتحدة إلى استراتيجية التجديد الحضري، تم تمهيد الطريق لأول هذه المبادرات في المدينة في عام (1966م)

وترجمت خطط الدليل التنموي الأهداف الأساسية إلى خطط تفصيلية على المستوى المحلي للجزيرة بأكملها بعد أن تم تقسيمها إلى (55) منطقة. هذه الخطط شملت المعلومات المستقبلية عن استخدام الأراضي، ومراقبة التنمية، وشبكة الطرق في كل منطقة من المناطق. بما في ذلك خطة دعم المرافق العامة. الأمر الذي أدى إلى إيجاد وسائل تنموية تتسم بالواقعية والشفافية والتنظيمية لإيصال فكرة التنمية وأهدافها  المستقبلية للجمهور.

التنظيم الإداري

تعتمد سنغافورة على نظام الحكومة المركزية أو ما يعرف بـ(حكومة من مستوى واحد). وعادة ما تتخذ سياسات التخطيط والتنمية على المستوى الوطني دون وجود مؤسسات مستقلة من الحكومات المحلية، كما يحدث مثلاً في الدول التي بها ولايات أو أقاليم شبه مستقلة. في سنغافورة وزارة التنمية الوطنية هي الوزارة الرئيسية المسؤولة عن التخطيط الوطني لاستخدام الأراضي والتنمية. وتدعمها عدة وكالات حكومية مستقلة أو مجالس تشريعية، كل منها له مهامة الخاصة ومجالات اختصاصه. مثل هيئة التنمية الحضرية، والسلطة الوطنية لتخطيط وحفظ استخدام الأراضي ومجلس الإسكان والتنمية. هذا التنظيم ساعد سنغافورة على الإدارة المرنة لمشاريع التنمية دون الوقوع في شرك البيروقراطية. حيث دعم ذلك سياسات التمويل التي اعتمدتها لهذه المشاريع.

 

سياسات التمويل التنموي

يتم التمويل لعمليات التنمية كجزء من ميزانية الحكومة في سنغافورة. حيث لا يتم تمول المشاريع الأساسية الحضرية وبرامج التنمية من خلال مبيعات الأراضي أو الرسوم. بل يتم ذلك من (الصندوق الموحد) الخاص بالحكومة، والذي يعتمد على عدد من المصادر للدخل العام، بمافي ذلك الضرائب المباشرة وغير المباشرة، والتراخيص والتصاريح، فضلا عن رسوم الاستخدام الأخرى. إلا أن سياسة التمويل، خضعت لعدد من القنوات المحددة كالتمويل المباشر للوزارات ومشاريعها التنموية، أو تقديم القروض للشركات العامة لتنفيذ المشاريع التنموية. الأمر الذي ساهم في ضبط نوعية المشاريع التنموية المقدمة، وأيضاً رفع مستوى التنمية المحلية بشكل كبير.

 

التنفيذ: خطة التجديد الحضري

بدأت الحكومة في التركيز على التجديد الحضري بعد أن أنشأت آليات تشريعية داعمة، واستراتيجيات تنموية تستند إلى برامج عمل وبرنامج إسكان عام فعال، وبحلول منتصف الستينيات تم إنشاء وحدة التجديد الحضري في عام (1964م) تحت إدارة البناء من البنك المركزي الأوروبي لتولي مسؤولية برنامج التجديد الحضري في المنطقة الوسطى من المدينة. حيث تم تنفيذ أول مشروع تجديد حضري رئيسي في منطقة (الحذاء الذهبي)، التي كان ينظر إليها على أنها القلب التجاري الجديد لقطاع التمويل في سنغافورة. وقبل إعادة التطوير، كانت المنطقة تتألف من منشآت تجارية وتجارية منخفضة الارتفاع ولكن كثيفة النسيج العمراني، فضلا عن ازدحام المنازل السكنية التي تقع على قطع أراضي صغيرة ومتداخلة (عشوائية). وقد أحدث التحديث السريع لاقتصاد سنغافورة طلبا كبيرا على التنمية التجارية بحلول أواخر الستينيات. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى إنشاء سوق الدولار الآسيوي في عام (1968م) ولتوفير النمو في القطاع التجاري، بدأت الحكومة إعادة تطوير القلب التجاري لسنغافورة في منطقة (الحذاء الذهبي) بهدف إنشاء حي الأعمال المركزي والذي كان يؤمل منه أن يكون نقطة الإنطلاق الأولى. وعلى الرغم من أن جهود التجديد الحضري السابقة شهدت مشاركة كبيرة للدولة، إلا أن القطاع الخاص لعب دورا رائدا في هذه التجربة.

 

أزمة الإسكان:

وبحلول عام (1965) حققت الحكومة انطلاقة في مبادرة الإسكان العام بعد الحكم الذاتي. وقد استكملت سنغافورة تنفيذ (54430) وحدة سكنية، وهو ما يتجاوز الرقم المستهدف وهو (51031) وحدة سكنية لبرنامج الخطة الخمسية الأولى. وقد اتسمت جهود التجديد الحضري المبكرة ببرامج بناء عامة واسعة النطاق، ليس فقط من أجل إعادة توطين السكان المشردين بل أيضا لاستيعاب المشاريع المتضررة في المجمعات العامة ذات الاستخدامات المتعددة. ومع ذلك، اعترفت الحكومة بالحاجة إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص والتعاون كجزء من التجديد الحضري. الأمر الذي أدى إلى أن يتم إنشاء برنامج بيع المواقع (برنامج مبيعات الأراضي الحكومية) في عام (1967م) لتقديم أراضي الدولة من خلال المناقصات العامة إلى القطاع الخاص بهدف تحقيق التنمية. وأصبح البرنامج في نهاية المطاف ناجحا للغاية، ولعب دورا حاسما في إعادة تطوير المنطقة البحرية وسنغافورة الواجهة البحرية. ولم تواجه أنشطة إعادة التوطين بسبب التجديد الحضري في سنغافورة على مدى العقود العديدة الماضية معارضة من المجتمعات خصوصاً تلك الفقيرة والمهاجرة. حيث كانت العديد من الأسر التي أعيد توطينها تعيش في مساكن متهالكة (عشوائيات)، وكانت المساكن الشعبية المقدمة لهم ذات جودة أعلى بكثير. هذا البرنامج أعتمد على التواصل مع المجتمع المحلي حول خطط إعادة التطوير، وتوضيح نوعية المشاريع التي سينتقلون فيه.

 

البنية التحتية والإطار البيئي:

تزامن هذا الحل التطويري للمساكن، مع حل ملكية الأراضي لتلك المناطق العشوائية، والتي كانت العقبة الرئيسية أمام إعادة تطوير القطاع الخاص في ذلك الوقت، بالإضافة إلى قانون (مراقبة الإيجارات) الذي منع الإيجارات من تجاوز مستوياتها لعام (1939م)، الأمر الذي رفضه القطاع الخاص لتدني العائد الإستثماري. ولمعالجة ذلك أصدرت الحكومة قانون (الأحكام الخاصة) الخاضع للمراقبة في عام (1969م) الذي ألغى تدريجيا السيطرة على الإيجار بالنسبة للمناطق المعلن عنها والخاضعة للتطوير. وبحلول عام (1974م) وفي غضون خمس سنوات من إلغاء إيجار الشقق، أنجز القطاع الخاص (13) مشروعا في منطقة (الحذاء الذهبي).

كذلك عمل القطاع العام أيضا على عملية إعادة التطوير الحضري من خلال أعمال البنية التحتية العامة. وشملت هذه المشاريع تحسين شبكة الطرق وتحسينها وأيضاً أعمال تحسين البيئة بما في ذلك تنفيذ الحدائق وتحسين الواجهة البحرية.

بعد إعادة تطوير منطقة (الحذاء الذهبي) بدأت الحكومة في تحويل اهتمامها نحو منطقة نهر سنغافورة التي عانت من التلوث الشديد. وقد تم الانتهاء من التنظيف في عام (1987م)، شمل هذا البرنامج تنفيذ كورنيش المشاة على النهر بطول (6) كم  وترميم الجسور التاريخية، فضلا عن بناء ثلاثة جسور المشاة الجديدة شيدت عبر النهر في منطقة (روبرتسون كواي).

 

الدروس المستفادة:

لاشك إن إعادة تطوير الواجهة البحرية الحضرية في سنغافورة والمتمثل في منطقة (الحذاء الذهبي) ونهر سنغافورة وخليج مارينا جسد منهج سنغافورة الفريد في التنمية الحضرية لتحقيق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ضمن ما يعرف بندرة الأراضي. وفي حين أن العملية قد تطورت منذ الأيام الأولى، فقد ظلت المبادئ الأساسية مستمرة على مر السنين. ولعل الدرس المستفاد من تجربة سنغافورة يتمثل في محورين، الأول هو التخطيط على المدى البعيد، وما يتطلب ذلك من وضع برنامج تنفيذي دقيق، حقق المتابعة الصادقة على أرض الواقع لتنفيذ هذه الخطط. أم المحور الثاني فهو يتمثل في الشراكة المثمرة مع القطاع الخاص، والذي لعب دوراً تنموياً أكثر من الدور الإستثماري أو التجاري الذي يعتمد على تحصيل الأرباح بغض النظر عن النتائج الفعلية على أرض الواقع.

ولاشك أن للقيادة أثر هام على التخطيط والتنفيذ. فأحد الجوانب الهامة للقيادة هو وجود الإرادة السياسية لدفع السياسات أو المشاريع التي تعتبر غير شعبية أو صعبة سياسيا، إذا كان القادة مقتنعون بأن مثل هذه السياسات أو المشاريع هي لصالح المدينة على المدى الطويل في ظل إستجابة المجتمع لمثل هذه التحولات التنموية الكبرى.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الأول للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي