تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

أحمد آباد: العودة إلى الجذور للتنمية

 

لعل التجربة التنموية لمدينة (أحمد آباد) تعد من التجارب المباشرة لتحقيق أهداف تنموية وفق مورد أو مصدر واحد. إلا أن الحبكة في هذا النموذج قائمة على فكرة النظر إلى ما هو بين يديك كنقطة انطلاق نحو آفاق تنموية مستقبلية. وهو ما يجعلها تجربة فريدة من نوعها على مستوى التنمية المحلية، والتحول تدريجياً لتحقيق اكتفاء شبه ذاتي من حيث المورد الاقتصادي في ظل تحقيق مكاسب اجتماعية وعمرانية.

 

مرت مدينة (أحمد آباد) بفترة إنكماش اقتصادي عام (1975م) بسبب إغلاق العديد من المصانع التي أقيمت في المدينة، ومع بداية التحرر الاقتصادي للهند في منتصف التسعينات من القرن الماضي. توجهت مدينة (أحمد آباد) إلى النهر كنقطة انطلاق نحو إعادة تخطيط المدينة ودفع عجلة التنمية. هذا التوجه يمكن اعتباره كنوع من العودة للجذور، حيث لعب النهر الدور الأساسي كإقتصاد للمدينة قديماً. وعلى هذا الأساس تأسست شركة سابا رماتي لتطوير الواجهة النهرية (سرفدكل) كشركة مملوكة من قبل أمانة مدينة (أحمد آباد) بالإضافة إلى عدد من المساهمين من القطاع الخاص. إلا أنه لم يترك للشركة حرية القرار في رسم ملامح التطوير، بل إرتبطت مع هيئة التطوير العامة لنهر (سابا رماتي) والتي تشكلت لضبط مشاريع التنمية على كامل المناطق الواقعة على النهر.

 

التخطيط:

تم عمل مخطط مبدئي يهدف لتطوير (200) هكتار موزعة على طول تسعة كيلومترات. كانت الخطة أن يتم بيع (20%) من هذه الأراضي المستصلحة لتمويل كامل المشروع، وأن يتم صرف الفائض على عدد من أعمال التطوير للمدينة مثل تجديد الشوارع والحدائق العامة والمرافق الخدمية للمدينة. ولذلك تم وضع عدد من الأهداف والسياسات العامة للمشروع. تمثلت فيما يلي:

  • جعل النهر في متناول الجمهور. وأدى هذا الاقتراح إلى إنشاء منتزه عام مستمر على الضفة الشرقية والغربية، مما يجعل النهر متاحا للجمهور.

  • وقف تدفق مياه الصرف الصحي، والحفاظ على النهر نظيفة وخالية من التلوث. وقدم المقترح خطاً للصرف الصحي المعترض على جانبي النهر على طول طوله.

  • توفير موقع لإعادة الإسكان الدائم للمستوطنات العشوائية على طول ضفاف النهر. ويهدف المشروع إلى نقل المستوطنات غير الرسمية القائمة وتحسين سبل معيشتها من خلال الحصول على مساكن ذات نوعية أفضل.

  • الحد من خطر التعرية والتجاوز للأحياء المعرضة للفيضانات. وقد وفرت الخطة سدان مستمران على ضفتي النهر.

  • إنشاء الحدائق على النهر للاستمتاع بالماء. وخصص الاقتراح الكثير من الأراضي المستصلحة للمتنزهات الجديدة على مستوى المدينة والأحياء. ومن المتوقع أن تكون المنتزهات والغابات مفتوحة أمام الجمهور.

  • توفير المرافق الثقافية والتجارية والاجتماعية الجديدة.

  • توليد الموارد لدفع تكاليف المشروع. وشمل الاقتراح تقييما دقيقا ومفصلا لتكاليف المشروع، فضلا عن نموذج للإيرادات لضمان أن يكون التمويل ممولا ذاتيا ولن يحتاج إلى استثمارات إضافية من المركز أو من الدولة.

  • تعزيز الاتصالات بين الجانبين الشرقي والغربي لأحمد آباد. ويتضمن الاقتراح اتصالات جديدة بين الشرق والغرب عبر النهر لربط كلا الجانبين.

  • إنشاء هوية أقوى لأحمد آباد. من خلال وضع مبادئ توجيهية التصميم الحضري محددة جيدا للتنمية على طول النهر والمناطق المحيطة بها، والاقتراح تصور خلق هوية أقوى للمدينة.

وأثناء مرحلة التخطيط، كان على مجلس (سرفدكل) الاتفاق على استراتيجية للتنفيذ. وكانت هناك ثلاثة خيارات عامة: (1) بناء القدرات الداخلية؛ (2) الشراكة مع شركة تنمية عقارية خاصة؛ (3) أو تعيين مستشارين من القطاع الخاص للإشراف على خدمات إدارة التنمية. وقد اختار المجلس الاستعانة بمصادر خارجية لخدمات إدارة التنمية من أجل الاستفادة من أفضل التجارب لاتخاذ قرارات سريعة وعدم الاضطرار إلى الشراكة مع موظفي القطاع العام أو الخاص. وفي عام (1999م) تم تعيين (إبك) كإدارة مسؤولة عن التنمية للمراحل الأولية من تخطيط المشروع وتنفيذ تطوير الواجهة البحرية سابارماتي.

 

التمويل:

كان من المقرر بيع جزء من الأراضي المطلة على النهر مقابل مزاد علني لتغطية تكاليف التنمية. إلا أنه وبسبب عوامل مختلفة، تباطأت وتيرة التنفيذ مما أدى إلى تأخير مزاد الأرض واستلزم تدابير تمويل أخرى. وبدلا من ذلك، تم تمويل مشروع إعادة التطوير من خلال عدة قروض لعدد من الجهات المحلية والأجنبية.

فبحسب دراسة الجدوى، قدرت تكلفة المشروع بـ (361) مليون روبية (60 مليون دولار أمريكي). وكانت تشير التقديرات إلى أن بيع (20%) من مجموع الأراضي المستصلحة سيولد (458) كرور روبية (76 مليون دولار)، وهو ما يكفي لتغطية تكلفة رأس المال وإعادة التوطين والتنظيم والفوائد على القروض. وبعد إعداد دراسة الجدوى، تم الاتصال بمجلس تنمية البنية التحتية في ولاية غوجارات للحصول على قرض تطوير مشروع بقيمة قدرها (1.31) مليون روبية (218) ألف دولار أمريكي. حيث استخدمت هذه الأموال لإشراك شركة استشارية مالية لإعداد استراتيجية تفصيلية ومقنعة لتمويل المشاريع كأعمال استثمارية ذات جدوى. وبمساعدة هذه الاستراتيجية، تم الاتصال بعدد من المؤسسات المالية التجارية للحصول على قروض لتمويل المشروع.

في البداية حصل المشروع على قرض من شركة (هودكو) وهي أحد الشركات المتخصصة في تمويل البنية التحتية على المستوى الوطني في الهند. وقامت مؤسسة النقد العربي السعودي بإعارة (350) مليون روبية (58 مليون دولار أمريكي). أما المصادر المتبقية من الأموال، فبلغت حوالي (241) مليون روبيه (40 مليون دولار أمريكي)، تم تضمينها من ضمن رأس المال الذي باعته سرفدكل كأسهم في وقت لاحق.

وبغض النظر عن إيرادات رأس المال، تم تحديد عدد من سبل الإيرادات التشغيلية خلال فترة المشروع، مثل فرض رسوم على المستخدمين للوصول إلى الحدائق. وهناك أيضا اتفاقات امتياز للأغذية والمعيشة وغيرها من المشاريع التغذية والمطاعم التي أنتشرت طوال الواجهة. كما تحقق إيرادات الإيجار من الأراضي غير المستغلة حالياً على ضفاف النهر، والتي يتم استخدامها كأراضي فعاليات على مستوى المدينة.

 

 

التنفيذ:

وفي وقت مبكر، تجاهل مخططو المشروع استخدام الأراضي كوسيلة لتهيئة الأرض اللازمة لإعادة تطوير الواجهة البحرية. واعتمدوا مخططو المشروع طريقة (التطابق) بين سجلات ملكية الأراضي بين السجلات الورقية والملكية الفعلية للأرض على الأرض، كمعيار أساسي لامتلاك الأرض. ونتج عن هذه العملية خطة تراكمية نهائية استخدمت لتحديد المناطق أو الأراضي التي ستتأثر بالتنمية، من أجل وضع أساس للتشاور مع أصحاب التعويضات. وتم منح أصحاب الأراضي حقوق التنمية من الأراضي أو التعويض النقدي. مع عدم مراعاة من لا يملك ما يثبت الملكية، وأن تعود ملكية تلك الأراضي لصالح المشروع. وبشكل عام يمكن تقسيم مراحل التنفيذ إلى ثلاث مراحل رئيسية هي على النحو التالي:

 

المرحلة الأولى: وضع حجر الأساس (1999-2003):

في حين تم تحديد نطاق المشروع، تابع فريق المشروع مسألة إزالة ملكية الأراضي من إدارة الري للاستصلاح. وكان نقل ملكية الأراضي هذا أمرا حاسماً لا يمكن بدونه المضي قدماً في المشروع. وعلى الرغم من أن طلب نقل ملكية الأراضي قد تم في (1999م) إلا أنه لم تكتمل العملية حتى عام (2003م) بسبب التأخير في التقييم. بالإضافة إلى عدد من الدراسات والخطوات المهمة مثل تقارير اختبار التربة، وتقرير الأثر البيئي وتصميم المشروع والبنية والتحتية وغيرها من الدراسات.

 

المرحلة الثانية: الإطلاق (2003-2011م):

بدأ المشروع رسمياً رئيس وزراء الدولة في عام (2003م). ومع ذلك، حاول البعض الوقوف ضد هذا التطوير لمصالح شخصية، الأمر الذي دعاهم إلى الإتفاق مع عمدة مدينة أحمد أباد لنقل المشروع إلى منطقة الشمال والتي تتضمن بعض الأراضي الخاصة. هذا الفساد الإداري كاد أن يضع المشروع بأكمله خارج المدينة، الأمر الذي لا يجعله يخدم فكرة التطوير للمدينة نفسها. ولكن قبل أن تتحقق فكرة نقل المشروع شمالاً، تم نقل عمدة المدينة لإنقاذ المشروع.

في عام (2004م) بدأ تشييد المشروع التجريبي لوضع اللمسات الأخيرة على تكنولوجيا بناء الجدران الاستنادية الخاصة بالسد. وبعد الانتهاء من هذه العملية التجريبية، اختير المقاولون وبدأ التشييد في عام (2007م)

 

المرحلة الثالثة: إنجاز واستعمال كبيرين (2011 - حتى الآن):

تم إجراء تحسينات رئيسية في البنية التحتية من عام (2007م) إلى عام (2009م)، بما في ذلك إنشاء خطوط مجاري صرف تحت الأرض. وبالنظر إلى أن البناء لم يشكل تهديداً يُذكر للمستوطنات العشوائية في المنطقة المجاورة، لم تجر عمليات نقل كبيرة في هذا الوقت لهذه المناطق. حيث بدأت فعلياً في عام (2010م) أثناء بداية تطوير الكورنيش العلوي والشوارع المحيطة. وتم إفتتاح المرحلة الأولى والثانية من المشروع في عام (2011م) للجمهور.

 

عقبات وصعوبات:

وأدى وضع حجر أساس المشروع في عام (2003م) على يد رئيس الوزراء إلى إثارة قلق كبير لدى الأسر المتضررة من المشروع في المستوطنات غير الرسمية. وقررت هذه الأسر اللجوء للقضاء من خلال رفع دعاوى المصلحة العامة ضد الدولة والمشروع. وقالوا أنه ينبغي إعادة توطينهم على مقربة من مكان عيشهم الحالي. وقررت المحكمة وقف أي عملية إخلاء إلى أن يتم وضع خطة كاملة لإعادة التوطين وإعادة التأهيل أمام المحكمة. وبحلول الوقت الذي تم فيه وضع خطة البحث والتطوير لعام (2008م) في صيغتها النهائية، بدأت الحكومة الوطنية خطة لتقديم إعانة وطنية لتوفير السكن للأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر أو أولئك الذين يعيشون في ظروف اقتصادية سيئة. ومن خلال هذا المخطط، اقترح المركز أن يتم نقل الأسر المتضررة من المشروع على أرض مملوكة للبلدية بعيداً عن واجهة النهر، مما سبب بعض ردود الفعل السلبية الاجتماعية.

 

النتائج والدروس:

تم الانتهاء من جزء كبير من المشروع وعدد من المرافق العامة المرتبطة بالنهر وفتح للاستخدام العام. وهذا يشمل امتداد كامل من المتنزه السفلي، والغالبية العظمى من أعمال البنية التحتية. فضلاً عن غالبية أجزاء الأراضي الخالية بالموقع. وبالإضافة إلى ذلك، تم الانتهاء من نقل جميع الأسر المتضررة من المشروع، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من النجاح. كما بدأ التخطيط لإعادة تطوير المناطق المتاخمة من خلال خطة تنمية أعدتها هيئة تنمية أحمد أباد. غير أن بعض عناصر المشروع مثل بيع الأراضي المستصلحة لم تحدث بعد. وبشكل عام يمكن استعراض بعض أبرز الدروس المستفادة من هذا المشروع على النحو التالي: أولاً، استقلالية إدارة المشاريع عن الجهات والمؤسسات المحلية العامة، تساهم أكثر في ضبط توجه المشروع وتحقيق الأهداف التنموية منه بشكل مباشر وبدون تدخلات أو اعتراضات نظامية. الأمر الثاني هو البحث عن المصادر الأساسية للمدن والمتمثل في مكوناتها ومواردها الأساسية، والعمل على تعزيز هذه المصادر ضمن مفاهيم تنموية ذات بعد استثماري وعمراني ينعكس على تطوير المدينة نفسها. والأهم من ذلك هو وجود قنوات قانونية يمكن فيها للأطراف الأخرى اللجوء إليها في حال التضرر من المشروع، حتى وإن كان ذا صفة رسمية.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثاني للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر