خصوصية المدن : الإنتقال إلى مرحلة ما بعد المحافظة

 

كنَا قد تحدثنا في عددنا السابق عن (المدن الذكورية)، وكيف أن الفراغ الحضري للمدينة السعودية بدأ بالخروج عن النمط أو النموذج الذي تم تكوينه خلال سنوات التطور العمراني في منتصف القرن الماضي، في ظل الإطارات الاجتماعية التي رسمت ملامح المدينة السعودية الحديثة.

في هذا العدد نطرح سؤال آخر في سياق التحول الذي تعيشه المدينة السعودية، ما الذي يمكن للمدينة السعودية أن تضمه كنشاط جديد؟ وما هو التأثير الذي يمكن أن يحدثه ذلك النشاط على المدينة؟ وهل سيساهم ذلك في تغير المشهد العمراني الذي تعودنا عليه في السنوات الماضية؟

 

هل التاريخ يعيد نفسه:

مرت المدينة السعودية بمرحلة التغير في الطفرة الاقتصادية الأولى في السبعينيات من القرن الماضي. هذا التغيير لم يقتصر على تحديث النسيج العمراني وحسب. بل أوجد فراغات حضرية جديدة لم تكن المدينة السعودية من قبل تضمها. إلا أنه لا يمكن النظر إلى الفراغ العمراني أو الحضري دون الأخذ في الاعتبار النشاط الذي يقام فيه. فالتعليم على سبيل المثال انتقل من مرحلة (الكتاتيب) إلى (الفصل الدراسي) كفراغ، وكذلك انتقل أسلوب ونشاط التعليم كما كان في الكتاتيب إلى نشاط يتماشى مع فراغ الفصل التعليمي. فالفراغ ما هو إلا استجابة للتغيرات في النشاط.

 

اليوم نحن نناقش ونطرح العديد من النشاطات التي نرى أن مدننا تحتاجها وحان وقتها. الفراغ الخارجي المفتوح على سبيل المثال، والمنتزهات المجهزة لممارسة رياضات أخرى تتجاوز كرة القدم، وأرصفة المشاة، ووجود مسارات خاصة للدراجات الهوائية، كلها باتت فراغات ضرورية لأنشطة مطلوبة. بل أن الأمر يتجاوز هذه الفراغات والأنشطة إلى أنشطة أخرى كالتنوع في الفراغ الترفيهي، كدور السينما أو المعارض الفنية أو حتى المسارح المفتوحة كجزء من الفراغ الحضري للمدن. وعلى الرغم من أن بعض هذه النشاطات بدأ يتبلور على أرض الواقع. إلا أن الحقيقة المرة من الزاوية العمرانية هي، أنه لا يمكن وضع هذه النشاطات وفراغاتها ضمن الفراغ الحضري أو العمراني للمدن، دون أن يواكب ذلك تحديث للفراغ الحضري نفسه. هذا التحديث يتجاوز فكرة وجود فراغ فقط لممارسة النشاط إلى ما يمكن أن ينتج عن ذلك الفراغ ويرتبط به؟ وكيف سينعكس ذلك على المشهد العمراني للمدينة السعودية تحديداً؟ خصوصاً إذا خضعت تلك النشاطات الجديدة لقواعد السوق والإستثمار، حيث تتوسع دائرة التأثير وتتداخل العديد من العوامل التي قد تتعارض فيما بينها. وهو ما سنحاول تسليط الضوء عليه.

 

الاقتصاد كمحرك أساسي:

قد يكون من المهم أن نعي في هذه المرحلة مسألة التغير العمراني وعلاقته بخصوصية المدن. هذه العلاقة عادة ما تكون مرتبطة بالعامل الأكثر تأثيراً. كالعامل الاجتماعي أو الاقتصادي أو البيئي. وعلى الرغم من أن التوجهات الحديثة تهدف إلى تحقيق التوازن بين هذه العوامل، إلا أن إمكانية ذلك تتطلب مستوى عالي من الوعي على كافة الأصعدة. هذا الوعي في حد ذاته يتطلب وقتاً بين التطبيق والنقد. نشاهد ذلك بوضوح في المدن الغربية التي تعتمد على حرية رأس المال الاستثماري. هذه المدن عانت الأمرين في بدايات تحولها من رأس المال الاستثماري والذي كان يبحث دائماً عن تحقيق الأرباح والمصالح. وبعد سنوات من النمو والتطوير. تطورت الأنظمة تدريجياً لكي تحد من خطورة هذا النوع من الاستثمار وتوجيهه نحو أهداف تحقق نمو متكامل للمدينة. وهنا يجب الوقوف على نقطتين أساسيتين. الأولى: هي أن هذا النمو والتطور أخذ الوقت الكافي لتحقيق الوعي الاجتماعي والاستثماري والتنظيمي. فالمسألة لا يمكن أن تحدث بشكل مباشر وتلقائي. ولذلك فإن عمليات النمو الأولى عادة ما تصب في صالح فئات المستثمرين.

أما الأمر الأخر: فهو فاعلية القرار الاجتماعي تجاه التغير. فالكثير من هذه المدن شهدت عدد من الاعتراضات الاجتماعية على هدم مبنى قديم أو تغيير نشاط حي مقابل مشروع استثماري. هذه الاعتراضات لها قنوات إدارية يمكن أن تصل إلى المحاكم القضائية للبت فيها فيما يتعلق بالمصلحة العامة. هذه الثقافة يمكن تسميتها بثقافة (النمو بحرية) والذي تستجيب فيه المدن للأكثر فاعلية. سواء كان ذلك المجتمع أم المستثمرين أو حتى القائمين على المدينة دون الإخلال بالعوامل والمصالح الأخرى، أو مع تحقيق الحد الأدنى لها على الأقل. فالنمو بحرية يتبع النظام أو القانون الذي يؤطر أو يحكم العلاقة بين النمو ورأس المال.

 

 

خطوة استباقية:

لا شك أن المدن السعودية في طور تحول آخر شبيه بالتحول السابق في القرن الماضي. هذا التطور يمثل الأمل للكثير من المواطنين نحو استجابة الفراغ للنشاطات الغائبة عن المدينة منذ عقود. إلا أن هذا الرأي لا يمثل الأغلبية. فلكل مجتمع أراء تقع ما بين القبول والرفض وما بين هذا وذاك.

لعل ذلك يضع القائمين على المدن السعودية أمام نقطة تحول مهمة. فإما أن تكون هناك خطوة استباقية لاستيعاب هذه النشاطات وتوظيفها ضمن الفراغ العمراني المستقبلي للمدينة السعودية. وأما التعامل كردة فعل واستجابة لما سيحدث على أرض الواقع من ممارسة للنشاط سواء من المجتمع أو رأس المال بشكل مباشر.

فمثلاً قرار السماح بدور السينما، يتطلب سرعة إتخاذ خطوة نحو تأطير نظام لهذا النشاط. إبتداءاً من النطاق الخدمي وإنتهاءاً باشتراطات السلامة. والأهم من ذلك هو ضبط الإطار الاستثماري لهذا النشاط وتفاصيله. فعملية تحديد مجموعة من الأراضي التابعة لإدارة المدينة وتخصيصها لهذا النشاط وطرحها للاستثمار، سوف تساهم أولاً في تحقيق التوزيع العادل للنطاق الخدمي لهذا النشاط على كامل المدينة وأيضاً زيادة الإيرادات لإدارة المدينة. ما عدا ذلك سيكون إستجابة لردة الفعل. فرأس المال يخضع لمعايير أخرى قائمة على الشريحة المستهدفة والدخل المادي وعمليات حساب الربح والخسارة وغيرها من المعايير، وبالتالي فإن النتيجة النهائية لحرية هذا العامل هي عدم تحقيق التوازن في الفراغ الحضري أو المدينة. ولا يقتصر الأمر على هذا النشاط وحسب، بل إنه يمكن قياس ذلك على الكثير من الأنشطة التي يتوقع أن تدخل ضمن حيز الفراغ الحضري للمدينة السعودية في السنوات القادمة.

 

الفرص الممكنة .. الإبداع كبداية:

التفكير خارج الصندوق سيكون مطلب أساسي للمرحلة القادمة. سواء للقائمين على المدينة أو رأس المال الاستثماري. حيث هناك العديد من الفرص المتاحة والممكنة في مثل هذا النوع من التغيير العمراني الحر.

هذه الفرص تكمن في نوعية المشاريع التجارية والاستثمارية التي يمكن أن تعيد تشكيل الفراغ العمراني للمدينة السعودية. والتي قد تتشكل وفق احتياجات المجتمع وفئاته المختلفة سواء الشباب أو الأسر أو المتقاعدين أو الأطفال. فلو نظرنا للفراغ الحضري العمراني للمدينة السعودية لوجدنا أن هناك الكثير من المكونات الغائبة على المشهد والتي يمكن أن تعيد التوازن للفراغ الحضري. هذه المكونات تتطلب الخروج من الصندوق عوضاً عن التفكير خارجه! حتى في أبسط النشاطات التجارية والاجتماعية والبيئية. فما هو النموذج الجديد لمحطات الوقود؟ أو المركز التجاري داخل الحي السكني؟ ماذا عن أسواق الخضار المصغرة؟ أو الكافتريات؟.

هل سنشاهد مكتبات صغيرة في الأحياء السكنية؟ هل سيكون هناك مكان مخصص لعربات الأكل؟ ماذا عن مسارات الدراجات الهوائية أو منتزهات التزلج؟ هل سيكون هناك أماكن مخصصة لفن الجرافيت ضمن الفراغ الحضري؟ هل سنحضر معارض فنيه صغيرة؟ هل سيكون هناك مساكن مشتركة؟ مراكز متقاعدين؟ حضانات أطفال بمعايير صحيحة؟ عيادات طبية من دور واحد؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير تعد نقاط انطلاق للتفكير بصورة أوسع وأشمل. فالفرصة القادمة قد تكون فرصة تصحيح، إما نستطيع مواكبتها لتعديل وتحسين الإطار العمراني، وإما سنظل ننتظر ما الذي ستؤول عليه مدننا بعد سنوات من الممارسة اللاواعية على أرض الواقع.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الثاني للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي