واحات في السماء

 

قد تتسع حدقة عينيك أو ترفع إحدى الجفون مع إظهار علامات أخرى للدهشة قليلاً عند قراءة هذا العنوان، دعونا نسترجع قليلاً قصة أحداث فلم الخيال العلمي أفاتار (Avatar) والذي تم عرضه في نهاية عام (2009م) وكان أبرز المشاهد تلك الأراضي الخضراء والمناظر الطبيعية الخلابة ذات القمم الشاهقة وهي طائرة كأنها جزر معلقة في السماء (Islands in the Sky)، ومنذ إصدار ذلك الفلم أصبح يراودني حلم ورغبة في وجود شيء مماثل يمكن تحقيقه على أرض الواقع إلى أن وقع نظري يوماً ما على كتاب أحد مشاهير الهندسة المعمارية وهو فيليب جوديديو (Filip Jodidio) بعنوان (الأسطح – جزر معلقة في السماء) ( Rooftop – Islands in the Sky) والذي لقي صدى واسعاً في مجال التصاميم البيئية والمعمارية لأسطح المباني مع تعزيز لمفاهيم المباني الخضراء وخلق البيئة المستدامة مع الأخذ في الإعتبار أن التكاليف عنصر مهم أيضاً. إستطاع فيليب جوديديو أن يصمم تلك المساحات وكأنها جزراً أو واحات داخل قلب المدن المزدحمة مع دمج المعطيات الثقافية أثناء التصميم والتنفيذ ليصبح السطح وكأنه بالفعل جزيرة أو قرية مصغرة تحلق في مستوى عالي عن مستوى سطح الأرض يطلق عليها جزر معلقة في السماء.

شهدت معظم المدن ذات الطابع الحضاري حول العالم إرتفاع غير مشهود له من ناحية عدد السكان ونسبة الهجرة إليها وكذلك تزايداً في معدلات تكلفة العقار والخدمات، وبالتالي إستوجب ذلك وقوف المنظمات الدولية لمطالبة حكومات وبلديات تلك المدن بمتطلبات وشروط بيئية مع تحسين للبنية التحتية لضمان حقوق السكان وكفل متطلباتهم الصحية والأمنية على صعيد آخر. في السابق كانت تعمل الجهات المعنية في تلك المدن على صب جل طاقاتها وميزانياتها في المشاريع الإعمارية والهدف إلى إيجاد مساحات سكنية فقط لتلبية الحاجة المتزايدة لها مع تجهيز البنية التحتية، ولكن حدث إغفال لجوانب هامة مثل الصحة والسلامة البيئية، مما أظهر بعد ذلك أهمية الإستفادة وإستثمار المساحات المتاحة على أسطح المباني كمطلب هام وملح.

في السنوات الأخيرة شهدت العديد من المدن المتحضرة الأوربية والشرق آسيوية والأمريكية الكثير من المباني التجارية والتي تم إستثمار مساحات أسطحها الغير مستفاد منها مع بعض التعديلات وإستغلالها كصالات للأنشطة الرياضية أو لتصبح مقاهي ومطاعم أو حتى وحدات سكنية يتم تأجيرها، أما في المباني السكنية فيتم الإستفادة القصوى من تلك المساحات لتصبح ملاذ رائعاً لسكان المبنى وملتقى للإستجمام والإسترخاء في تصاميم تحاكي الطبيعة باإسجام رائع.

أما في مدن الشرق الأوسط عامة نجد أن معظم الأسطح لا يتردد عليها المقيمون في نفس المبنى إلا لوجود حاجة لأعمال صيانة مثلاً أو يتم إستخدامها لأغراض التخزين أو تجفيف الملابس على أقل تقدير، إلا أنه نتيجة إلى التكدس السكاني في تلك المدن وإرتفاع تكلفة العقار والبناء والنقل مع مشكلة الإزدحام المروري أصبح ليس من السهل أن تجد تلك المجتمعات ممتلكات أخرى يمكن التنزه فيها أو الإسترخاء مع إمكانية الحفاظ على الخصوصية اللازمة لها وهذه قد تكون ضريبة التطور العمراني الحديث الذي حصل معه إغفال للجوانب البيئية والثقافية خاصة في بيئة صحراوية حارة.

والعجيب أننا نجد في مخطوطات وصور مدننا وقرانا القديمة قد حصل شيء معاكس لما حصل مؤخراً فقد كان السطح متنفساً أساسياً يستفيد منه أهل الدار وخصوصاً النساء والأطفال مع العديد من الإستخدامات الأخرى التي تعود بالفائدة، وكم دارت في تلك الأسطح من ذكريات وقصص سعيدة حكاها لنا أجدادنا كانت جزء لا يتجزأ من ثقافة تلك الحقبة الزمنية وقطعة من حياتهم (قد يعود السبب في ذلك أيضاً هو عدم وجود أجهزة أنظمة المياه والتكييف ضمن مساحة السطح).

إن إحياء هذا النوع من الفكر والثقافة قد يولد إيجاد واحات وجزر معلقة في السماء تحقيقاً لأحلام الكثيرين ويقيناً سوف يكون هناك عائداً مادياً لأصحاب الممتلكات الإستثمارية وعائداً صحياً ونفسياً لأصحاب المنازل والعمائر السكنية ، وسينعكس ذلك كله إجمالاً على النفقات المدفوعة في النزهات والمواصلات ورفع قيمة العقار وكذلك المردود البيئي المأمول على المدى القريب بإذن الله.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي