تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

وابي سابي السعودية

 

يستمد اليابانيون من ديانتهم البوذية فلسفة جمالية تسمى الوابي سابي  (Wabi-sabi)، وتتبنى هذه الفلسفة تقبل الأشياء كما هي ورؤية الجمال في كل شيء والإحتفاء بالأشياء رغم العيوب والشوائب والتآكل، فالوابي سابي تصنف هذه الخصائص الثلاثة "غير كامل، غير دائم، غير مكتمل" على أنها صفات جمالية طبيعية لأي شيء ويجدر بنا أن نقدرها ونستمتع بها. فعلى عكس فلسفات الجمال الغربية كالإغريقية التي ترتبط بالكمال والتماثل والتوازن وغيرها من المقومات، تركز مفاهيم الوابي سابي الجمالية على صفات عدم التماثل والخشونة والبساطة والتوفير والتقشف والتواضع وصفات عدم ديمومة الأشياء وتآكلها. وتؤثر هذه الفلسفة على تقدير وتقييم الفنون كالرسم والنحت وصناعة الخزف وصيانته، فتجد هذه الفلسفة ظاهرة على قطع الخزف التاريخي الياباني، فتجد أن اليابانيين يحافظون على هذه الخزفيات حتى عند الكسر، بل إن كثيراً منها غير منتظم الشكل ومكسور ومرقع ومجمع، لكنها أحياناً تلصق بالذهب تقديراً لها وتقديراً لمعاناتها وتاريخها. كما أن بعض المعماريين يتبنى هذه الفلسفة في عمارة المباني من حيث النقد والتصميم والإحتفاء، بل أنها تجاوزت ذلك، لتؤثر مؤخراً على التصميم الداخلي الحديث وصناعة الأثاث.

يقول الشاعر الأندلسي أبوالبقاء الرندي في مطلع قصيدته التي رثى بها الأندلس "لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ"، ويقتبس العرب هذا الشطر لوصف الأشخاص والأشياء والأحوال، وهذا الوصف لا يأتي إحتفاءاً أو تقديراً لهذا الحال أو ذاك، بل إنه مرتبط بالرضى بالقضاء والقدر والشكر والثناء لله سبحانه وتعالى، لأن الموصوف نقص بأمر الله سبحانه رغم إجتهاد البشر سعياً لتحقيق الكمال. فدلالات الجمال ومقومات الكمال في الفكر العربي تختلف عن دلالاتها ومقوماتها في الوابي سابي الياباني. فالنقص في الفكر العربي مصيبة تستوجب الحمد على كل حال.

قد لا يختلف إثنان على وجود نقص في تصميم وتنفيذ الأحياء السكنية في مدننا، فمن الطبيعي أن تجد سكان الحي في حرب دائمة على مكان حاويات الكيماويات المكشوفة المخصصة للنفايات لعدم وجود مكان خاص بها، ومن الطبيعي أيضاً أن ترى السكان يمشون إلى المسجد خمس مرات يومياً في وسط الطريق لعدم وجود أرصفة ملائمة للمشي مما يعرضهم وأطفالهم للعديد من الأخطار ويمنع السكان من التنقل مشياً ويحرمهم من ممارسة رياضة المشي أو ركوب الدرجات. ومن الطبيعي أن تكون الأرصفة أمام المحلات التجارية غير متصلة ومناسبيها مختلفة وتفتقر لأدنى إشتراطات السلامة، فتجد خزانات المياه بأغطية غير مناسبة ومضخات مياه وغيرها من المعوقات، فتكون غير مهيأة لإستخدام الأصحاء ناهيك عن ذوي الإحتياجات الخاصة، كما أنه من الطبيعي أيضاً أن لا تجد موقف لسيارتك أمام العمارة السكنية التي تسكنها لوجود محلات مزدحمة لأن نشاطات المحلات غالباً لا يتناسب مع طبيعة المكان، كوجود مطعم مزدحم أو حتى منجرة "موبيليا" مزعجة أو محل بيع مواد بناء. فالجهات المشرعة والرقابية والمطورين أهملوا الإحتياجات الإنسانية وإعتبارات السلامة فكيف بدلالات الجمال والكمال، وهذا القصور له أثر مباشر على مستوى جودة الحياة والشعور بالرضى. فالقصور الواضح في التصميم والتخطيط كان يجب أن يتداركه "المطور" العقاري بإيجاد تصاميم تناسب السكان وعاداتهم اليومية وتجهيزها قبل البيع، وكان يجب على الجهات المسؤولة تحديد مستوى عالي من الإشتراطات التي تناسب إحتياجات السكان الإنسانية كتصميم موحد ومنسوب متصل للأرصفة وفرضها على الملاك.

الحديث يطول عن تخطيط الأحياء المناسب والعناية بمظهر المدينة العام وعن ما يواجهه السكان، لكن إن لم يعمل المخططين والمصممين والجهات المسؤولية على إيجاد حلول عاجلة وفرض إشتراطات ترفع من مستوى جودة الحياة في الأحياء فليس لنا إلا خيارين، تبني الفلسفة العربية لدلالات الجمال والكمال وقول الشكوى إلى الله والحمدلله على كل حال، أو إعتناق الفكر الوابي سابي لنشعر أنفسنا بالرضى ونحب ونقدر ونحتفي بكل إزدحام، حفرة، مطب، فتحة خزان مكشوفة، ورصيف مكسور.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر