تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

مفهوم الإستدامة

 

"الاستدامة"، بقدر ما تحملها المفردة من رونق وسحر تجاه مستقبل متفائل للبشر، فإن عدداً ليس بالقليل من الناس يظنون أن ترديد المفردة يقربهم بشكل أو بآخر إلى نمط حياة مستدام، فما إنفك يطال المفردة الإبتذال فأصبحت تستخدم في غير معناها و تسوّغ الأفعال بعنوان الإستدامة متصدرة الأجندة الرسمية واللوائح العريضة والسياسات على مستوى دولي. فهل نحن أمام هذر؟ أم أمام مصطلح فضفاض و حمّال أوجه يتسع للعديد من المعاني؟!

تحاول هذه المقالة التعريف بمفهوم "الإستدامة" ونشأته وتطوره بشكل مختصر. الإستدامة في المعاجم اللغوية يرد أصلها إلى "إستدام" وتعني الدوام والإستمرار. لكنما في التعريف الإصطلاحي فالتنمية المستدامة هي: "الإستجابة لمتطلبات الجيل الحاضر بدون التفريط أو التأثير في حق الأجيال القادمة في الإستجابة لمتطلباتها".

إن نظرية الإستدامة ليست جديدة في طرحها فهناك آراء عديدة ظهرت منذ زمن بعيد من علماء البيئة والإقتصاد والإجتماع. ولكن جرى التعرّف عليها بشكل واضح في مطلع السبعينيات عندما وجدت البشرية نفسها على مفترق طرق، وأن مآلات الأمر الذي سينتهي إليه الكوكب كارثية، في ظل النمو الديموغرافي السريع والأعداد المتزايدة من البشر التي تحتاج إلى كميات هائلة من الموارد كالغذاء و الطاقة مع التسليم بأن هناك موارد محدودة وناضبة.

إجتمع العلماء في نادي روما عام (1974م) بدعم من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وإستعرضوا الأرقام وكميات الغذاء والطاقة وأشكال النمو في العالم. خرجوا بتقرير متشائم ينبئ العالم بنهاية كارثية إذا ما إستمر يعمل بالمنهج الحالي السائد؛ ففي ظل محدودية الموارد الطبيعية فإن البشرية تمضي إلى طريق مسدود وبدأوا بقرع أجراس الخطر.

مع تفاقم مشاكل البيئة زادت قوة الخطاب البيئي وتمخّض بإنعقاد قمة دولية في ستوكهولم عاصمة السويد عام (1972م) لتوجيه نداء إنساني لإعادة النظر في سياسات الإقتصاد والنمو، وربطها بالمشاكل البيئية ما يتطلب تعاوناً دوليا في ذلك، و في حال إهمالها فإن ذلك سينعكس على وجود الإنسان ووجوده على هذا الكوكب.

منذ (1972م) دعت منظمة الأمم المتحدة إلى مجموعة من الإجتماعات تنذر فيها عن الطاقة و الغذاء و زيادة أعداد البشر و نضوب الموارد، كان العالم يتعامل مع البيئة على أنها تتمثل في الحياة الفطرية والكائنات النباتية والحيوانية، إلا أن الوعي المتنامي للتبعات البيئية عن الإستهلاك الجائر لموارد الطبيعة بإسم ضرورات التنمية جعل الإقتصاديين يدركون بأهمية أخذ الموارد الطبيعية بعين الإعتبار في الإقتصاد. فالنمو الإقتصادي و الذي يقاس بشكل صرف من خلال زيادة متوسط دخل الفرد من إجمالي الناتج القومي لا يعطي مؤشراً دقيقاً للتنمية، لذا كانت الحاجة لمقياس أشمل يضم الجوانب البيئية والإجتماعية كتحسين حياة الناس وتعليمهم، فظهرت تقارير "التنمية الإنسانية" عام (1990م) كمسطرة قياس. و ظهر مصطلح "التنمية المستدامة" لأول مرة بشكل رسمي من قبل لجنة التنمية و البيئة بالأمم المتحدة في تقرير بعنوان "مستقبلنا المشترك" و المعروف إعلاميا بـ"تقرير بورتلاند".

في ريو دي جانيرو البرازيلية عام (1992م) عقدت قمة الأرض الأولى -و هي عملياً الثانية بعد قمة ستوكهولم-  وأقرّ العالم خطة جديدة للتنمية تلبّي إحتياجات الجيل الحالي بكل كفاءه و رفاه دون الإخلال في حقوق الأجيال القادمة على تلبية إحتياجاتها مستقبلاً، والحفاظ على رأس المال الطبيعي، و بدأت لهجة جديدة تطغى على الأجندة الدولية محورها الإنسان وليس الإقتصاد، وصادق رؤساء الحكومات على الربط بشكل وثيق بين المرتكزات الثلاثة للتنمية المستدامة (الإقتصاد ،والبيئة والمجتمع) وأن تجاهل أياً من مشاريع التنمية إحدى هذه المرتكزات، فإن التنمية ليست في إتجاهها السليم. وتم الإعلان عن توقيع إتفاقية "جدول أعمال القرن 21" الذي يعتبر برنامج عمل دولي لتحقيق التنمية المستدامة.

عقدت قمة الأرض الثانية في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية بعد خمسة أعوام وعرفت بـ(ريو+5) ومن ثم قمة الأرض في جوهانسبرغ بإفريقيا عام (2002م) بعد عشر أعوام (ريو+10) وكانت المحاولة في هذه القمة تحويل أهداف ريو إلى أهداف كمية قابلة للقياس. في هذه القمة أخذت الدول على عاتقها تحسين حياة الناس والقضاء على الفقر بحلول العام (2012م) من باب أننا شركاء في الموارد على هذا الكوكب، فإننا أيضاً شركاء في المكاسب والمخاطر، وعلينا أن ندفع بغائلة الجوع عن أكثر من مليار من سكّان هذا الكوكب يعيشون تحت خط الفقر وتوفير الماء العذب الصالح للشرب لهم، وقطعت الدول المتقدمة عهوداً على عاتق حكوماتها أن تكون طرفاً في تمويل المشاريع التي من شأنها تحقيق أهداف التنمية المستدامة وسميت بأهداف الألفية.

في عام (2012م) عقدت قمة الأرض (ريو +20) في ريو دي جانيرو البرازيلية بعد أن فشلت الدول في تحقيق الأهداف وسط أصوات إرتفعت لإتخاذ إجراءات حاسمة لتفعيلها. في هذه المرحلة نالت تقارير التنمية الإنسانية أهمية أكبر. في نهاية العام (2015م) عقدت قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وهي قمة أممية ضمّت (193) دولة تم فيها إقرار (17) هدفاً ضمن خطة طموحة لتحقيق التنمية المستدامة على مدى (15) عاماً إلى العام (2030م). أهداف التنمية المستدامة تشمل مجالات عمل متعددة ما يجعل كل واحد يعطيها بعداً خاصاً به فهي بمعناها الواسع تقترن بالمصلحة العامة لتحتوي كل القضايا المتعلقة بمصير البشرية و الوسط الذي تعيش فيه الأمر الذي جعلها مفهوماً واسعاً و شاملاً.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر