مسكنك والتصميم الشامل نقطة التقاء بين الطموحات والواقع

 

 

مرحباً بكم جميعاً.. سألتقيكم بإذن الله في هذه الزاوية بمقال مع كل شهر، أحاول من خلاله أن يكون له الأُثر الإيجابي ولو بالقليل على تصاميمكم وأعمالكم القادمة، أو على الأقل أن يساهم في فتح آفاق جديدة لعالم ومهنة التصميم التي نتشارك شغفها سوياً.

لا شك أن كل واحد منا يحلم بتصميم مسكنه الخاص، مسكن بتلك الفراغات الرائعة والمساحات المدروسة، مسكن يعكس رحلتك.. فصولك مع شريك حياتك، ذكريات أطفالك وهواياتهم. مسكن يجد فيه كل فرد مكانه الخاص، أو لنقل بإختصار، مسكن ننتمي إليه في آخر كل يوم.

لكن ماذا نعني بتصميم المنزل؟

من مفهوم هندسي ، يمكن القول بأن تصميم المنزل هو: سلسلة من المراحل لبلورة أفكار المصمم في قالب محدد من المساحات، بما يتناسب مع إحتياجات العميل, متطلباته وتطلعاته. إلا أن هذا التعريف يتطلب منا أن نتوقف عنده قليلاً، فعملية تصميم مسكنك لا يمكن أن يتحملها طرف دون الآخر, بمعنى أنها عملية مشتركة بين المصمم والعميل أو لنقل بين المصمم والمستفيدين.

كمصممين نحتاج لدراسة تطلعاتك، فبقدر ما نحمل من خلفية بمختلف علوم ومهارات التصميم، تبقى تطلعات العميل دليل إرشادي في كل مراحل التصميم المختلفة. هذه التطلعات هي بمثابة التحدي الذي يحدد مسار التصميم تجاه النجاح أو الفشل ، خصوصاً في تصميم المنازل الذي تتقاطع فيه رغبات أفراد الأسرة وتطلعاتهم المختلفة بحسب أعمارهم وأفكارهم وهواياتهم ومنظورهم عن الحياة والمعيشة عموماً. فعلى سبيل المثال، نود نحن النساء دائماً إلى تحقيق كل الأهداف الجمالية والعملية في منازلنا من منظورنا وتفسيرنا الخاص لتلك المملكة الصغيرة، بينما يبحث الرجال بإختصار عن جودة البناء العالية, والحلول العملية بتكلفة معقولة لتأمين منزل الأسرة.

لوهلة ستجد أن كل منظور يختلف عن الآخر، وأن كل منظور قد يرسم ملامح لفكرة تصميم مختلف! فكيف يمكننا الجمع بين الإثنين؟ وهل يمكن تحقيق ذلك بتصاميم واقعية؟ قبل أن نجيب على هذا التساؤل، لعلنا نطرح مثال بسيط لإختلاف المنظورين في مسألة تصميم المداخل والمجالس في منازلنا.

عند تصميم المخططات السكنية، نعمد إلى مراعاة المداخل بأنواعها (البوابة الرئيسية – المدخل الرئيس – المدخل الفرعي – ومدخل الخدمة) والتي قد تسمى بأسماء أخرى مثل مدخل الرجال ومدخل النساء وغيره. حيث يسعى المصممون إلى تفعيل دور هذه المداخل ضمن مسارات الحركة، ومراعاة الإبقاء على أكثر من مدخل لتيسير الإنتقال من المساحات الخارجية للداخلية، فالمدخل الرئيس يجب أن يكون على إتصال مباشر مع موقع البوابة الرئيسية لخلق توجيه مخفي لأي زائر، عكس مدخل الخدمة الذي يفضل أن يكون قريباً من المطبخ/ المخزن والبوابة الرئيسية أو موقف السيارة في آن واحد مع مراعاة الإبقاء عليه مخفياً قدر المستطاع, هذه الأسس تقنن وتبرز مع تطلعات المستخدمين ورؤيتهم لهذه العناصر. 

فمثلاً، من منطلق عملي وجمالي أحياناً يفضل العملاء وجود أكثر من مدخل مراعاة للخصوصية، يتم ذلك عادة بتحديد مواقع للأبواب بأنواعها ومساحات لفتح الأبواب. وعلى الرغم من البساطة الجميلة في هذا المقترح من حيث المنطق، إلا أنه يمكن أن يكون قاصراً نوعاً ما, إذا ما تجاهلنا التطلعات المستقبلية" التي تظهر في مراحل التشطيب" لهذا التنظيم, فوجود خزانة العباءات وكونسول الإستقبال في المدخل الرئيسي أمور لابد من تواجدها لإكمال هذه الرؤية تجهيزاً للإنتقال للمساحات الأخرى المرتبطة بها من مجالس ومغاسل. هنا يكتشف المالك الذي كان يحلم بمدخل عصري ودافئ يستقبل الزوار بأناقة ويرحب بهم بأن صغر مساحة المدخل يحد من تلك المتطلبات ولا يمكن أن يعمل إلا كموزع صغير للمساحات المجاورة. الأمر الذي يدخل العميل في دوامة ما بعد التصميم، ليبدأ بتحوير إستخدامات الفراغات المجاورة لإحتواء هذه التفاصيل الصغيرة. كأن تضاف خزانة العباءات ضمن منطقة المغاسل الملحقة بالمجالس أو يتم وضع الكونسول في منطقة ضيقة أمام باب غرفة الإستقبال بهدف إرضاء التطلعات بوجودها، بالرغم من إعاقتها للحركة!

حل آخر قد يتجه له المالك في هذه المرحلة هو إستخدام جزء من مساحات المجالس للتعديل على مساحة المدخل, فمساحة المجالس تتيح إمكانية إستغلالها لأغراض أخرى تهم مساحات مجاورة, خصوصاً وأن تلك المجالس لا تعتبر من الفراغات الدائمة الإستخدام, ومع ذلك هي عادة في أفضل موقع في المنزل بإطلالة مشرقة وأسقف مدروسة مع تخصيص الجزء الأكبر من ميزانية التشطيب لها بهدف الإقفال عليها لحين يأتي الضيوف، مع أن تلك المساحات لا تتطلب سواء الإبقاء عليها بالحد المعقول من ناحية المساحة، والألوان، ونوع الأثاث والإضاءة الطبيعية في الأماكن المناسبة. مع مراعاة الخصوصية من عزل للصوت والرؤية تبعاً لثقافة العائلة وعدد زوارهم المعتاد. وهذا له الأهمية في تحديد المساحة المطلوبة وملحقاتها من منطقة طعام ومغاسل.

هذا السيناريو من عقبات بسبب عدم إلمام التصميم المقترح بكافة الجوانب المتعلقة بكل مساحة وارد الحصول في كثير من التصاميم السكنية، وعلى الرغم من الحلول الناتجة والمقترحة للحد من الأضرار الواقعة إلا أن الحل يكمن وسيظل في التصميم وليس مرحلة ما بعد البناء.

الآن كل ذلك يبدوا منطقياً، لكن ماذا عن التطلعات الأخرى، تلك التي تعتبر أكثر دقة؟ كتطلعات الأبناء والبنات ومتطلباتهم وإحتياجاتهم ورغباتهم؟ كيف يمكن إحتواء تلك التطلعات ضمن التصميم؟ وهل سيكون الأمر مشابهاً من حيث التعامل مع المساحات الموجودة وتعديلها وفقاً للحاجة في وقت ما؟ لنعود إلى السؤال الذي طرحناه في بداية المقال، هل يمكن الجمع بين ما تتطلع إليه النساء في بيوتهن وما يتطلع له الرجال؟ أو بمعنى أوسع، هل يمكن تلبية جميع متطلبات المستخدمين في ذلك المنزل على حد سواء؟

الإجابة  هي نعم. اليوم نتداول نحن المصممون مفهوم تصميمي يعرف بالتصميم الشامل أو (universal design)، هذا المفهوم يمكن أن يحقق التركيبة المثالية من خلال تطبيق دراسة تفصيلية لإحتياجات كل فرد في العائلة، هواياته، تطلعاته، تطوراته في المستقبل. وبناءاً عليها يتم تحديد المساحات اللازمة وما تتضمنه لتجنب التغييرات المفاجئة أثناء التشطيب أو بعد التنفيذ، أتحدث عن تفاصيل أعمق من مثال المدخل الذي أشرنا إليه، متطلبات مثل إمكانية إتساع غرف الفتيات لوحدات تخزين أكبر عند بلوغهم سن الجامعة، أو إضافة موقف سيارة إضافي عند وصول سن أحد الأبناء أو البنات لقيادة السيارة. وقد يتجاوز ذلك ليلبي طلبات خاصة بالعميل نفسه وعائلته، كأن يتم التخطيط لتقسيم ملحق السطح لأجنحة مستقبلية عند زواج أبنائهم.

التصميم الشامل هو عملية جعل التصميم المقترح ذو فائدة وسهولة أكبر لكافة مستخدميه بإختلاف أوضاعهم الصحية، أعمارهم وأحجامهم. وبتطبيق هذا المفهوم على تصميم منازلنا، سيتم إحتواء الكثير من التفاصيل والتطلعات التي تخص كل فرد منا، فالأمر في النهاية هو إيجاد منزل يلبي تطلعاتنا، فكثير هم الذين يستطيعون تصميم مخطط سكني، لكن قلة فقط من يستطيعون التفرد بتصميم منزل يشبهك وحدك.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي