فضاء البربر

 

عندما يتحدث الفضاء ليرسم صورة، ليحكي لغة ، ليبث الحنين لماضينا، ليجعلنا ندرك حاضرنا ونصر على إشراقة مستقبلنا، حينها فقط سيحكي شعراً، سوف يعبر عن وجوده بيننا ومعنا، هذه هي لغة العمارة، هي لغة الفضاء، ليست لغة مادية أبداً، ليست جداراً ولا باباً ولا حتى نافذة أو سرداباً.

 

عندما يتحدث الفضاء، ليستثير كل الحكايات في داخلي، أهمس له قائلة: 

خذني إلى بيتنا الصغير ، خذني إلى فنائه الخلفي ..

هناك حيث أخي كان يصنع من الطين مدينة، لتسرح وتمرح عائلات مركباته الصغيرة بين أزقتها، وحيث أختي ترسم بالطبشور البربر وتقفز، والأخرى قد لطخت وجهها ببقايا المساحيق، خذني إلى رائحة كعك التمر من يدي أمي لتملأ السعادة في دواخلنا، خذني إلى حجرة أختي الكبيرة التي كانت تحتضننا جميعاً. خذني إلى صوت سيارتنا والباب الحديد معلناً وصول أبي، بركة بيتنا، خذني إلى مستودع غرفتي يوم الجمعة حتى أخبئ دمعتي وأختلي بدعوة لأخي الذي فارقنا ولَم تفارقه دعواتي ..

 

خذني إلى ستائر غرفتي وقد هفها ريح المطر.. إلى صوت "حيّا ع الفلاح" وأقدام الجار وابنه ينادي إنتظر.. إلى صوت الماء يغسل شباك غرفتي ويغسل معه الضجر.. إلى صوت المسلسل البدوي وكوب عصير البرتقال مع الجزر ..لماذا .. لأنه يقوي النظر، إلى رسمة نامت في دفتري وصحوت على أكاذيب الكارتون وقت العصر.. لقد فاتتني برامج التلفاز ولكن لم يفتني كيك البرتقال مع الشاي على الدكة وأبي زينة العمر لنتقاسم الحديث حتى تنام الشمس، وأدخل صالة بيتنا وينتابني الفضول حول شريط فيديو لأسرتي بتاريخ قبل مولدي. يشتغل الشريط لأرى فيه أبي و ثلاث من أخوتي الذين يكبروني، يلعبون بدراجاتهم فيما يسمى الآن فنائنا الخلفي الخارجي وقتها كان فضاءً بلا سور ..

 

أنا أسأل أبي!

ليجيبني نعم كان الدنيا مفتوحةً يا ابنتي ... كان الشارع إمتداداً للبيت .. كان أخي يهرب من النحل وأختي تركض خلف الفراشات وأخي يأكل حبة التوت من مزرعة بيت جارنا .. يا الله كم هذه الأماكن تشبهنا.

 

لماذا اليوم ملكة الليل هي حصر لحديقة منزلنا .. وأوراقها الفواحة فقط تعطرنا، لماذا لكي أتواصل مع بنات جارنا يجب أن أتسلق شجره الجوافة لأدعوهم لشاي إفتراضي فقد سكبت علبة البيبسي في إبريق الشاي كي نتشارك شينكو منزلنا المطل على حديقة منزلهم.

 

لم أكن أعلم أن "لماذا" اليوم ستؤلمني أكثر من "لماذا" الأمس، لماذا لم يعد صوت جدتهم وهي تسقي أوراق الحديقة نغماً نألفه اليوم، لماذا لم تعد هناك حكايا تشبة حكايا كرة القدم اللي سطحها فريق أخي من على جدار بيتنا ، لماذا بيوتنا قد أنهكها الصمت، أين صوت الأجراس التي تخلق حواراً من سيفتح الباب ومن الطارق، أم أن البرجون وألوانه لم يعد سبباً لأن يطرق باب بيتنا .. كان صديق أخي بمدرسة حيينا يطرقه دوماً يريد من أخي المقايضة. 

 

فقط

خذني وأعصرني معهم جميعاً ،إجعل أفكارنا اليوم تذوب وتذوب وتنصهر وتتلاشى ،لنبدأ من الصفر، لا بل من تحت الصفر .. لنلتقي .. ولنفرض أن نكون ساذجين عفويين، لنتطور كما كنا .. لنعيش العمارة بفطرتها السليمة.

 

حينها فقط، وفقط حينها .. سيطربني حاضري، و سينتابني شجن شجي.

لم أتصور أن المستقبل اليوم سيعزلنا ويفصلنا عن الأصوات والروائح والمشاعر أكثر فأكثر .

 

"همة ألمه لبنه وطينه" ... فلنشمر سواعدنا، ونبني مستقبلنا، بحنين ماضينا، وقوة حاضرنا.

لنصنع حياة تشبهنا، تعمها رائحة الرياحين، وتشرق عليها شمس الحنين، لتترجم هويتنا وكينونتنا، لكي نكون نحن ،فقط نحن.. ولن نكون إلا بما يُشبِهُنا.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي