عمارة السينوغرافيا السينما والتجربة الحسية للمكان

 

 على الرغم أني لم أعاصر فترة آخر تواجد لدور السينما في السعودية نهاية السبعينيات الميلادية وبداية الثمانينات، إلا أني أتذكر جيداً عندما كنت صغيراً الذهاب متلهفاً بعد خروجنا من المدرسة إلى منزل صديقي لمشاهدة أشرطة الفديو لأفلام كرتون الرجل الحديدي وسندباد على شاشة تلفازهم الضخمه. وبعد أن كبرت قليلاً أصبحت أتلهف أكثر للذهاب إلى زيارة بيت جدتي نهاية الأسبوع بحي الملز لألتقي بأبناء حارتهم ممن هم في سني. كانت مغامرة الأسبوع أن نجمع قيمة إستئجار فلم لأحدث جولات المصارعة الحرة لمصارعين أمثال (أندر تيكر)، (هولك هوقن)، والمحارب (ذا التميت واريور) آنذاك. كانت مهمه تحفها المخاطر للوصول إلى متجر حزوى الشهير لبيع أشرطة الفديو، حيث يترتب علينا المشي لمسافة طويلة وقطع شوارع تعج بالسيارات المسرعة وخالية من طرق المشاة للوصول إليه. خصوصاً وأن وقوع حادث دهس لأحد المارة كان للأسف سمة أسبوعية لتلك الشوارع. وبعد إنجاز المهمة نذهب مسرعين لنجتمع في ملحق أحدهم لمشاهدة ذلك الفلم.

على الرغم من أن أفلام الفديو والتلفاز تختلف كلياً عن مبدأ السينما إلى أن جهاز الفديو كان البديل المتوفر إلى وقت ليس ببعيد، حتى بعد ظهور الإنترنت ومحطات الأفلام التلفزيونية، ما زالت البديل محلياً. بعد تلك الفترة إنتقلت إلى المنطقة الشرقية، كانت معرفة صديق يسكن في مجمع أرامكو الخاص وسيلة للدخول لمشاهدة الأفلام في قاعة سينما حقيقية. الذهاب للبحرين أيضاً كانت رحلة هدفها الأساسي مشاهدة فلم يتخلله برنامج متكامل يبدأ من صالات المطاعم في إحدى المجمعات وينتهي في إحدى المقاهي لتبادل الحديث حول تلك التجربة وعن محتوى ذلك الفلم.

دعونا نعود بالذاكرة للوراء قليلاً، فمع إكتشاف النفط في منتصف القرن الماضي بالمنطقة أصبحت السيارة جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للفرد والعائلة. حتى على مستوى التخطيط كان لها الأثر الأكبر في تشكيل النسيج العمراني والأحياء السكنية للمدن الحديثة. وبالحديث عن السينما تحديداً، كان للسيارة أيضاً تأثير في نجاح رواج سينما السيارات في الكويت والتي كان من روادها بعض العوائل السعودية في ذلك الوقت. والتي تتيح لك إيقاف سيارتك في ساحة كبيره تتوسطها شاشة ضخمه لتشاهد أحد أفلام السينمائية بكل خصوصية وأنت في سيارتك. في الإمارات أيضاً ظهر ما يسمى بالقوافل الثقافية، حيث كانت سيارات الجيب لاندورڤر المغطاه تجوب الأحياء الشعبية لعرض الأفلام فيها من وقت لآخر. بينما في السعودية ظهرت سينما الأحواش وسط الأحياء حيث يفترش المرتادون أرضها والبعض يجلب كراسي خشبيه خاصة لمشاهدة العروض. وكانت تلك الساحات صياغه بدائية لسينما المولات في بعض دول الخليج. كما تطورت بعد ذلك وتواجدت قاعات السينما في الأندية والكازينوهات وبعض الفنادق. مؤخراً ومع صدور الموافقة على فتح دور السينما في السعودية، ربما نحن موعودون بتعريف جديد وربما طرح مختلف لعمارة السينوغرافيا. حيث أن فلسفة تنظيم الفراغ الدرامي لها الأثر البالغ على التجربة الإدراكية والحسية على الجمهور من جهة ومن الناحية التجارية والإستثمارية من جهة أخرى. بالتأكيد سيقارن المستخدم تجربته الأولى في إحدى القاعات السينمائية التي ستنشأ بمثيلاتها من القاعات التي سبق وأن زارها ليربط التجربتين المكانية وينتهي بقرار تكرار التجربة من عدمها. تجربة مشاهدة فيلم سينمائي لا تقتصر على مشاهدة الفيلمفحسب، بل هي برنامج ترفيهي متكامل في الغالب يتخلله نشاطات أخرى تستوجب توفر مرافق خدمية كالمطاعم والمقاهي وهذا لا يستوجب حصرها على المولات بالضرورة. لذلك يجب أن يتم دراسة الحيز الذي يضم الكتلة والضوء واللون والرائحة والمواد المستخدمة وتأثير الفراغ والخصوصية والحركة وهي بالتأكيد عناصر تؤثر وتتأثر بالحدث الدرامي والذي له الدور في صياغة الدلالات المكانية في التشكيل البصري العام. كما هو مهم أيضاً دراسة الفضاء المحيط والخدمات التي من شأنها جعل التجربة السينمائية متميزة. يقول (يوهاني بالاسما) في كتابة "عمارة الصورة: الفضاء الوجودي للسينما" أن العمارة الصورية تكشف لنا أرضية مشتركة بين العمارة والسينما من خلال مفهوم الفضاء الوجودي. مشاريع السينما صور تجريبية حقيقية للحياة، في حين أن العمارة تشكل إطارات الوجود البشري والذي يوفر أفقاً لفهم حالة الإنسان. يقول بالاسما بأن فن العمارة وفن السينما كلاهما له أشكال شعرية للتجربة الوجودية. بنية الصورة تفتح مساحة غير مستكشفة من التعبير المعماري، في حين تكشف في الوقت نفسه الدور الأساسي للصورة المعمارية للتعبير السينمائي. ويستدرك قائلاً بأنه من خلال تحليل أفلام الفريد هيتشكوك، ستانلي كوبريك، مايكل آنجلو انطونيوني، و آندري تاركوفسكي فإن كاتب السيناريو يعطي الفرصة للمخرج لإستخدام الصور المعمارية في الإثارة والحفاظ على الحالات الذهنية المحددة. في حين أن العمارة الواقعية لفضاء السينما اليوم يميل للأسف للحد من الإستجابة العاطفية إلى عالم العقلانية النفعية. بينما في الواقع عمارة السينما تحتوي على مجموعة كامنة من المشاعر الإنسانية كالخوف واليأس، الإغتراب والحنين، المودة والحميمية، السعادة والنعيم. يرى الكاتب بأن الصور المعمارية للشعراء والرسامين والمخرجين يمكن أن تعيد توعية فلسفة العمارة وطرق تدريسها.

لا زلت أذكر بروفيسور في كلية العمارة كان يلزم الطلاب بمشاهدة مجموعة من أفلام مختارة ويطلب منهم القيام بتحليل الصور والمشاهد المعمارية فيها والذي من شأنه تأصيل مهارة النقد والاستكشاف وفهم الصورة التعبيرية لدى الطلاب. أستاذ آخر كان يصطحبنا في جولات لزيارة أهم المسارح القديمة وقاعات السينما العتيقة في أحياء شيكاغو ليأخذنا إلى عالم آخر مليء بالتفاصيل التي لاتتسع العين لإستيعابها من زيارة واحدة. ومما لا يدع مجالاً للشك، فإن وجود السينما لدينا سيغير كثير من شكل نتاج مشاريع الطلبة في إستديو التصميم بالجامعات السعودية والتي كان جدولها الفراغي يخلو من وجود قاعات السينما ومرافقها. من المهم أن يكون المعماري على إطلاع ودراية بطريقة التعامل مع الفضاء السينمائي داخلياً وتأثيره على الكتلة والشكل الخارجي العام للمشروع. لا أخفيكم، فأنا بصدد عمل تصور لمادة تتعلق بالفضاء السينمائي وتأثيره على التجربة الزمانية والمكانية للفراغ والذي أتمنى أن يتم عرضه وإعتماده كمادة إختيارية للطلاب والطالبات الذين لهم إهتمام لهذا التوجه في بعض كليات العمارة المحلية. وجود السينما في السعودية حتماً سيكون له تأثير إيجابي كبير ليس على محيط العمارة فحسب بل حتى على المستوى النشاط الثقافي والإجتماعي والتجربة الترفيهية للأفراد وللعائلة السعودية على حد سواء.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي