النمو الذكي للمدن الخضراء (3/3)

January 25, 2018

 

الريادة في التصميم للمدن الخضراء مبدأ حديث ولايزال في مراحل التطوير من قبل المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء. في العددين السابقين (أكتوبر و نوفمبر ٢٠١٧م) كان التركيز على تعريف نظام تقييم الإستدامة للمدن وعلى نطاق واسع يشمل المجتمعات والتجربة الإنسانية بإستخدام نظام Arc. المعايير الخمسة التي يتم قياسها في المدن الخضراء تشمل التالي: الطاقة، المياه، النقل، المخلفات، والتجربة الإنسانية.  وفي هذا العدد سيتم إستكمال الحديث حول المعيارين الأخيرين وهما المخلفات والتجربة الإنسانية.

قياس أداء المدينة من حيث المخلفات الناتجة عن الإستخدام والإستهلاك البشري يكون بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة كوزارة الشؤون البلدية والقروية حيث يتم قياس نوع وكميات المخلفات الناتجة من المدينة ويتم ذلك على مدى عام كامل. المطلوب من هذا العمل هو قياس ناتج العام من المخلفات لمعرفة نوع المخلفات وهل هي عضوية كالأكل أو غير عضوية مثل المخلفات البلاستيكية والزجاج والمعادن وغيرها. قياس الناتج من المخلفات للمدينة يكون بالطن ويتم إحتساب كميات المخلفات التي يتم إرسالها إلى المرادم عن تلك التي يمكن إعادة تدويرها والإستفادة منها بشكل يقلل من الحاجة لردمها وإستهلاك مساحة أكبر قد لا يكون لها داع.

في عام ٢٠١٥م كان ناتج المخلفات البلدية الصلبة في العالم يساوي ما يقارب ١.٣ بليون طن وسترتفع النسبة بحاولي الضعف لتصل الى٢.٢ بليون طن بحلول عام ٢٠٢٥م. وكان معدل ناتج المخلفات البلدية الصلبة في المملكة العربية السعودية لعام ٢٠١٥م حوالي ١٥.٣ مليون طن أي ما يعادل قرابة ١.٢ كيلوغرام للشخص يومياً. كل هذه المخلفات للأسف يتم إرسلها للمرادم بدون عملية فرز تقلل من الأضرار البيئية الناتجة عن ردم هذه المخلفات. وتجدر الإشارة إلى خطورة تزايد كميات النفايات البلدية الصلبة لما ينتج عنها من إنبعاثات للغازات المسببة للإحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروس والميثان. إضافة إلى الغازات الحبيسة للحرارة، تُلوّث المخلفات المياه الجوفية والسطحية وقد تنقل هذه المياه الملوثات الكيميائة الناتجة من تحلل هذه المخلفات إلى مياه البحار والتي بدورها تضر الحياة البحرية. وتكمن المعضلة أيضاً أن أكثر من ٤٠٪ من هذه المخلفات مواد عضوية ناتجة عن رمي الفائض من الطعام. هذه النسب والأرقام متزايدة بشكل لافت في الشرق الأوسط وخاصة في دول الخليج حيث تفوق نسبة المخلفات للشخص الواحد في أحد دول الخليج ٥.٥ كيلوغرام في اليوم الواحد حيث أن أكثر من ٢.٥ كيلوغرام منها مخلفات عضوية.

بالتعاون مع برامج توعوية ونظم معلومات تقيس كميات المخلفات البلدية الصلبة مثل Arc يمكن من خلالها معرفة كمية المخلفات بشكل دقيق ومعرفة المناطق والأحياء المنتجة للكميات الأكبر من المخلفات وتوعية السكان ومشاركتهم في تقييم المعلومات التي تم تحصيلها من نظام Arc. حيث تكون المراقبة على نوع وكميات المخلفات بشكل أدق يستطيع المجتمع المدني من التقليل من الإستهلاك الذي ينتج عنه هذه الكمية الكبيرة من المخلفات. أما بالنسبة للمحور الأخير الذي يتم قياسه عن طريق برنامج Arc وهي التجربة الإنسانية للمدينة. يتم إحتساب وقياس هذه المحور عبر المؤشرات التالية: التعليم، الإنصاف، الإزدهار الإقتصادي والصحة والسلامة.

في معيار التعليم على مستوى المدينة يتم قياس نسبة السكان الحاصلين على درجة الثانوية العامة كحد أدنى لمن هم فوق ٢٥ سنة من العمر وأيضاً يتم إحتساب السكان الحاصلين على درجة البكالوريوس لمن هم فوق ٢٥ سنة من العمر. الهدف من هذا المعيار معرفة ما إذا كان المجتمع يحتاج إلى تركيز أكبر من الجهات المعنية بتثقيف هذا الجزء من المدينة ومعرفة المشاكل التي تعيق هذا القطاع من المدينة من التعلم أو الحصول على أدنى مستوى من التعليم.

أما في معيار الإنصاف فالمقصود بهذا المعيار معرفة متوسط قيمة الأجار من معدل الدخل العام للعائلة الواحدة ومعرفة ما إذا كان هناك فارق كبير بين مستوى الدخل العام للعائلة ومستوى الإنفاق على السكن. ويتم معرفة الفوارق في مستويات الأجار على مستوى المدينة ومن خلال تحصيل هذه المعلومات تستطيع الجهات المعنية من التعاون مع ملاّك العقار للوصول إلى حلول تمكٍّن العوائل من ذوي الدخل المتوسط والدخل المحدود من الحصول على سكن يلائم إحتياجاتهم بأسعار مناسبة لمعدل دخلهم الشهري.

المعيار الثاني معيار الإزدهار الإقتصادي على مستوى المدينة ويتم قياسه من خلال معدل الدخل المتوسط للسكان على مدار السنة ويتم أيضاً قياس معدل البطالة من خلال هذا المعيار. الهدف من هذا المعيار معرفة العوائق المسببة لعدم حصول السكان على الوظائف بشكل عام والمسببات لعدم رغبة بعض الشرائح لنوع الوظائف المتاحة في سوق العمل. يمكن تحصيل المعلومات لهذا المعيار من خلال إستبيان عام أو من الجهات الحكومية المعنية مثل الهيئة العامة للإحصاء. ومن خلال معرفة العوائق، يمكن الخروج بتوصيات لجهات العمل من القطاع العام والخاص لإيجاد حلول تقلل من نسب البطالة في المجتمع وتعديل مستوى الدخل العام ليتناسب مع تكاليف المعيشة اليومية.

أما بالنسبة للمعيار الأخير تحت محور التجربة الإنسانية فهو الصحة والسلامة، حيث يتم قياس الأداء لهذا المعيار عبر ثلاثة أدوات أساسية. الأداة الأولى هي مؤشر جودة الهواء العام للمدينة ويكون القياس من صفر إلى ١٠٠ حيث يكمن الهدف من قياس جودة الهواء إلى معرفة ما إذا كان الهواء نقي ونظيف أم ملوث وضار. والناتج من هذا المؤشر يساعد المجتمع المدني إلى أخذ الإجراءات اللازمة للحد من مستوى التلوث العام للهواء ومعرفة مصادر التلوث والحد أو التقليل منها.

الأداة الثانية هي عدد الأيام الغير صحية لمن لديهم أي نوع من الحساسية ويكون قياس هذه الأداة بعدد الأيام من ١ إلى ٣٦٥ يوم بالسنة. ويكمن الهدف من هذه الأداة إلى معرفة كم عدد الأيام بالسنة التي يتسبب منها من لديهم أي نوع من الحساسية إلى عدم الإستطاعة من الخروج من المنزل والإستمتاع بالخارج. وتأتي الأداة الأولى السابقة إلى تحديد نوع الملوثات في الهواء وتوعية المجتمع المدني إلى أخذ إجراءات الحيطة والحذر في حال تزايد كميات الملوثات بالهواء المسببة للمشاكل الصحية العامة.

الأداة الثالثة والأخيرة تحت محور التجربة الإنسانية فهو معدل الجرائم في اليوم في السنة. وتأتي أهمية هذه الأداة إلى قياس معدل الجرائم في المدينة بمختلف أنواعها من جرائم بسيطة مثل السرقة إلى كبيرة مثل القتل. والهدف من هذه الأداة تحسين مستوى المعيشة بشكل عام في المدن الخضراء حيث يمكن للمجتمع المدني معرفة كافة شرائح المجتمع وتحديد نوع الجرائم المرتكبة من أي شريحة ومعالجتها قبل أن تتفاقم وتنتشر في المجتمع. ويكون قياس هذه الأداة بمعدل الجريمة بالسنة حيث تساعد معرفة نوع وعدد الجرائم إلى إستئصالها ومعالجتها.

تطبيق مبادئ المدن الخضراء له إيجابيات كثيرة حيث يكمن الهدف الأساسي إلى تحسين مستوى المعيشة لكافة شرائح المجتمع. نظام تقييم الإستدامة المساند لـ Arc هو LEED for Cities أو لييد للمدن الصادر من المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء. ويمكن الإستفادة من هذا النظام لقياس كفاءة المدينة من حيث توفير بيئة صحية وتوفر بيئة صخبة للنمو الإقتصادي والإزدهار الإجتماعي والثقافي. نستطيع من خلال إستخدام المنصة التفاعلية Arc توعية وتثقيف المجتمع المدني ومعرفة النواقص في كفاءة أداء المدينة سواء المتعلقة بالنواحي البيئية أو الإقتصادية أو الإجتماعية. كما يمكننا من مقارنة أداء مدننا بمدن عالمية أخرى لها جوانب مشتركة مثل التعداد السكاني أو الخلفية الثقافية والتعليمية للمجتمع وغيرها من عوامل نستطيع من خلالها تحسين الأداء لنعيش في مدن صحية مليئة بالحيوية والصحة والنشاط.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي