المرأة و المدينة السعودية .. العلاقة المتناقضة

 

في المدن القديمة كانت المرأة تعيش المكان بكل تفاصيله وتمارس حياتها ضمن نسيج تلك المدن بطبيعتها دون قيود أو تشريعات مكانية بارزة ومعيقة، بل كان "ميثاق الأخلاق" هو من ينظم هذا التعايش ويكفل للمرأة خصوصيتها وحمايتها خاصة في الفضاءات الحضرية والممرات والأزقة بالرغم من صغر المقاييس المعمارية والعمرانية لتخطيط تلك المدن، وكانت المرأة حينها حاضرة ومشاركة في كل مشاهد الحياة وفق قوانين تحكمها ظرفية المكان والزمان.

في تخطيط المدن لا يمكن فصل العمران عن الإنسان، لذلك لطالما إسترعتني تلك العلاقة الغامضة بين المرأة والمدن السعودية، ثمة تناقضات لا يمكن أن نجد لها تفسيراً علمياً ذو مرجعية مقنعة تُمكٌن من بناء إطار إجتماعي ومكاني لنمط حياة المرأة داخل المدينة، لقد أصبح المخططون والمصممون الحضريون والمعماريون في حيرة من أمرهم أمام معادلة معقدة في التعامل مع فلسفة صناعة المكان والتي عادة ما تعتمد على قراءة مركزة لإحتياجات مستخدميه ومتطلباتهم وفق نظمهم الإنسانية وتركيبتهم المجتمعية بما فيها من تقاليد وأعراف وسبل عيش.

كمخطط ومصمم عمراني ممارس، لدي مساحة كبير للإيمان بحريات الناس وطبيعة تعاملهم مع تفاصيل ووظائف المكان عطفاً على خلفيتهم الإجتماعية والثقافية والعقائدية ، وأهمية توفير البدائل الملائمة لتمكينهم من التعايش بصورة طبيعية مع محيطهم بما يكفل حماية رغباتهم سواء كانت محافظة أو أكثر انفتاحا، لكن الأمر الذي لا يمكن القبول به موضوعياً ذلك التناقض في تحديد التشريعات المكانية لعلاقة المرأة بمحيطها داخل المدينة السعودية وإرتباط ذلك بمحددات تصميم المرافق العامة وإدارتها، فالراصد لتركيبة هذه العلاقة سيلاحظ حزمة من التناقضات في إدارة المكان خاصة فيما يتعلق بمشاركة المرأة في المظهر العام للمدينة.

مفهوم " الإختلاط" لا زال غير "مُعرفاً" من الناحية التنظيمية لدى مسيري المدن، فالعرف السائد في تكوينات المجتمع شيء وما يحدث في الواقع شيء آخر، على سبيل المثال سيكون الأمر متاحاً لتواجد المرأة في أماكن عامة مثل البوليفارد والأسواق الشعبية والمراكز التجارية والمطارات والكورنيش والمستشفيات ومراكز ترفيه الأطفال والمطاعم وغيرها من الحيزات المفتوحة أو المغلقة، بينما يبرز في الجانب الآخر تناقض في صلاحية تواجدها في أماكن "بذات الإستخدام " أو أماكن أخرى تتفوق في وظائفها وأولوياتها، خاصة تلك المرتبطة بالمعاملات الحكومية والخاصة والأمر نفسه في أماكن الفعاليات والندوات والمؤتمرات والمعارض وغيرها. لقد وصل هذا التناقض إلى عدم القدرة على تعريف المرأة، فتارة يشار لها مباشرة وتارة أخرى تأتي في سياق مفردة العائلة، تحليل الوضع الراهن يؤكد أن هناك غياب للمعايير التي تحدد هذا الإختلاف في تنظيم المكان والذي ربما كان نتاج لتراكمات أيديولوجية إفتراضية لا أساس لها.

 التغيرات الأخيرة في إدارة المدن السعودية مثل السماح للمرأة بالمشاركة في إتخاذ القرار على مستوى المحليات ودخول الملاعب الرياضية وتراخيص السينما وقيادة السيارة والفعاليات الثقافية المفتوحة والعمل في مراكز الخدمات والمحلات التجارية وغيرها ستحدث مخاضاً إيجابياً – ربما يطول – ولكنه سيساهم في بناء منظومة تشريعات مكانية تساعد في فهم قوانين الحياة داخل المدن. أنا هنا لا أدعو لتطرف حاد أو لإنفتاح مفرط في تحديد نمط علاقة المرأة بالمكان، ولكني أبحث عن "نموذج عقلاني" متزن لنموذج التواصل الإنساني يضع أطر واضحة ومحددة لفهم هذه العلاقة وتشريعاتها وسلوكياتها بما ينعكس على تخطيط وتصميم المكان، بدلاً من الإستمرار في نهج يعتمد على الإجتهاد الذاتي، ومثل هذه القضايا لا يجب أن تكون معلقة على مستوى فضاءات المدينة في أقل الأحوال، فمأسسة الحياة داخل المدن وفق قوانين "مكتوبة" أمر هام لمستقبل أي مجتمع عمراني يسعى لكسب إحترام الآخر.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي