المدن الذكورية قراءة في التحولات العمرانية لمستقبل المدينة السعودية

 

تفاعل الشارع السعودي خلال الفترة الماضية مع قرار الموافقة على السماح بقيادة المرأة السعودية بعد أعوام طويلة من المنع. تلى ذلك السماح للمرأة بحضور الأنشطة والفعاليات الرياضية بعد أن كان من غير المسموح ذلك. وعلى الرغم من أن معظم الأراء التي تناولت هذه القضايا كانت تدور في ماهية القضية نفسها. إلا أن هناك جوانب آخرى تمثل نقاط نقاش بشكل أكثر عمقاً. من هذه الجوانب التي يمكن قراءتها هي الإنعكاسات على البيئة العمرانية للمدينة السعودية نتيجة لهذه التغيرات. فهل سيظل الفراغ العمراني للمدينة السعودية على نفس تكوينه القديم؟ أم أنه لابد من تغيير (حضري) يتماشى مع التغير الحاصل في النشاطات الحضرية؟

 

منعطف تاريخي:

قد يكون من الممكن القول بأن عام (2017) سيكون نقطة تحول في تاريخ المدينة السعودية، فهو بمثابة مرحلة أو منعطف جديد يؤثر على تكوين المدينة السعودية. من المعروف على سبيل المثال أن دخول السيارة للمدينة السعودية في المرة الأولى ألقى بظلاله على التكوين العمراني أو نسيج المدن السعودية، هذه الدخول لوسيلة النقل الجديد تجاوبت معه المدينة السعودية بتبني نماذج تخطيطية ساهمت في تغير الجوهر، كالتخطيط الشبكي الذي أعتمد كنموذج لتخطيط المدينة السعودية. وعلى الرغم من أن التجاوب كان يواكب التغيرات في ذلك الوقت، إلا أنه اليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن على هذا التحول، يعزي الكثير من المختصين المشكلات الحضارية التي نعيشها اليوم إلى هذا النموذج التخطيطي.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه يمكن القول بأن تلك المرة الأولى لم تكن تجربة كاملة، خصوصاً في مسألة وسيلة النقل (السيارات)، بمعنى أن قصور التجربة على فئة الرجال دون النساء جعل من واقعها وعلى مدار سنوات طويلة نموذج مختلف ليس له مثيل في العالم تقريباً. هذا التفرد إن صح القول لا يقتصر على ممارسة القيادة داخل المدينة السعودية وحسب، بل أمتد للفراغ الحضري للمدينة وبشكل كبير، فأصبحت معظم الفراغات خاصة بالرجال دون النساء إلى عهد قريب.

 

مدن ذكورية:

لعل هذا ما يجعلنا نقول بأن المدن السعودية وحتى عام (2017م) هي مدن ذكورية. ونقصد بالذكورية هنا، أن فراغها الحضري ومكوناتها المعمارية كالمباني ذات الخدمات العامة مثلاً والملاعب الرياضية والمباني الحكومية وغيرها تتعامل مع فئة الذكور من المجتمع كمستخدم أول. إذا إستثنيا بعض المباني مثل المساجد والأسواق. فعلى سبيل المثال قد تجد أن مبنى إداري أو خدمي يتعلق بمعاملات المواطنين لا يتضمن دورات مياه خاصة للنساء. وينطبق الأمر على المباني الترفيهية العامة كالملاعب والنوادي. بل قد يمتد ذلك إلى الفراغ الخارجي للمدينة نفسها كالمنتزهات وغيرها. والتي يندر أحياناً وجود دورة مياه ناهيك عن توفرها لكلا الجنسين.

هذه الفردية قائمة على التوجيه نحو فئة واحدة كمستخدم أول. في السنوات الماضية كانت هناك العديد من المحاولات لموازنة هذه الفراغات. فظهرت الأقسام أو المباني الخاصة بالنساء والمستقلة كفراغات موازية للفراغات الذكورية. بل أنه في بعض الأحيان كان يتم توظيف الفراغ نفسه ليخدم كل فئة على حدة، كأن يتم تخصيص الفراغ الحضري أو حتى المعماري للنساء (العائلات) دون فئة الرجال لأيام محددة، ومن ثم يتم عملية التبادل في الإستخدام. وقد يتجاوز الأمر ذلك ضمن إقصاء فئة على حساب أخرى، كأن يتم تخصيص الأسواق لدخول النساء دون الرجال. مع الاستثناء في حدود ضيقة.

هذه التداخلات بين الفراغ والنشاط والمستخدم، لا تجدها في الفراغات الحضرية لمدن أخرى، ولذلك يمكن القول بأن الفراغ الحضري للمدينة السعودية، قد تكون وفق عدد من المعايير التي حكمت أو طوعت مسار التفاعل مع التنظيم الحديث وفق عدد من المعايير والخلفيات الدينية والتقليدية على حد سواء. وليس الحديث هنا حول ماهية صحة هذه الممارسات أم لا. بل الهدف كان معرفة العوامل المشكلة للمدينة السعودية خلال الفترة السابقة، وكيف أن هذه العوامل بدأت في الإختفاء تدريجياً من تكوين المشهد العمراني للمدينة السعودية.

 

العمرانيون في مواجهة الواقع:

على الرغم مما سبق، إلا أنه لا يمكن الإنكار التام لوجود وعي بالحيز النسائي في الفراغ المعماري خلال السنوات الأخيرة. هذا الوعي تمثل أحياناً بوجود فراغ يلائم الجنسين وبإحترافية عالية. ولعل المساجد والأسواق بل حتى وبيئات العمل الجديدة تكرس هذا الوعي بشكل واضح. إلا أنه يمكن إعتبار ذلك ضمن النطاق الخاص وليس العام للمدينة. ولهذا السبب كان قرار سماح القيادة للمرأة عاملاً مؤثر على المدينة في نطاقها العام.

يقف العمرانيون أمام هذا الواقع الجديد بموقفين. الأول يرى أن فيه إعادة تحقيق التوازن للفراغ العمراني للمدينة السعودي، والذي ظل لسنوات طويلة فاقد لهذا التنوع الحضاري الذي يلبي جميع إحتياجات ومتطلبات فئات المجتمع. أما الفئة الثانية فترى فيه ظهور العديد من المشاكل الحضرية التي يجب أن نتعامل معها سريعاً تفادياً لتفاقم مشكلات المدينة السعودية الحالية. وسوف نستعرض أبرز هذه المحاور فيما يتعلق بالفراغ العام للمدينة وأراء الفريقين كنوع من المقارنة.

 

الإزدحام المروري:

تشكل قضية الزحام المروري أولى وأهم القضايا التي تؤرق العمرانيون لمستقبل المدينة. خصوصاً أن المدن السعودية تعاني من آثار هذه الظاهرة بشكل قوي وملفت. ويضيف هؤلاء مسألة أن السماح لدخول عدد سيارات أكبر (من قبل النساء) دون إتخاذ إجراءات تخطيطية موازية، قد يؤدي إلى أن تكون المحصلة النهائية هي الإنتقال إلى مستوى إزدحام مروري أكثر تعقيداً. هذا الرأي يخالفه بعض المختصين والذين يرون أن قيادة للمرأة لن تكون دفعة واحدة، بل ستكون ضمن عملية إحلال طويلة، حيث سيكون دخول السيارات الجديدة الخاصة بالنساء في مقابل أعداد السيارات الخارجة مثل السائقين وسيارات الأجرة، بالإضافة إلى الفراغ الذي سينتج عن تغير التعداد السكاني للمقيمين من غير السعودين، نتيجة للقرارات الحاصلة فيما يتعلق برسوم العمالة الوافدة ومرافقوهم أو حتى تلك التي تتعلق بتكاليف الطاقة الجديدة. وبالتالي فالبيئة العمرانية بوضعها الحالي مهيئه لإحتواء هذه السيارات الجديدة دون أن يكون هناك تغير على المستوى الحضري العمراني للطرق والشوارع.

 

 

المواقف:

يرى البعض أن (المواقف) ستشكل مطلب جديد ضمن البيئة العمرانية للمدينة السعودية. والسبب في أهميتها اليوم، هو أن سلوك النقل قد إختلف عن السابق. فالسائق أو سيارة الأجرة يقوم بالتوصيل ومن ثم الإنطلاق. بينما مع قيادة المرأة، فالوصول إلى الموقع يتطلب وجود موقف لحين الإنتهاء من المكان أو العمل. وعلى الرغم من أن قضية توفير (المواقف) تعد من القضايا السابقة في مشكلات البيئة العمرانية للمدينة السعودية. إلا أن إضافة سيارات ضمن نطاق الملكية وليس النقل سيجعل من توفر هذه المواقف عنصر مهم ومطلوب خلال الفترة القادمة. ويرى بعض المختصين أن توفير هذه المواقف لا يعتبر عائق، فمع إشتراطات وأنظمة البلديات المحلية يمكن التوجيه نحو توفير المزيد من المواقف مع الوقت. إلا أنها لا تعد عائقاً على المستوى العمراني.

 

النقل العام:

قد يكون من المقبول دعوة من يرى بأن العالم قد تجاوز مرحلة النقل الخاص (السيارة) إلى النقل العام منذ سنوات. بل أن الدعوات اليوم في الأوساط العالمية تتجه نحو النقل العام المستدام، ومسائل مشاركة وسائل النقل وغيرها من الدعوات التي تصب في مصلحة تقليل التصادم البيئي مع المحيط وزيادة معدلات التلوث والإستهلاك للمواد الطبيعية. ويرى الأخرون أن هذه الدعوات ممكنة بالنسبة لمدننا متى توفر النقل العام بالصورة المرضية. ولذلك فالإعتماد على النقل الخاص للمرأة يعد من الضروريات للنقل في ظل ما تعيشه المرأة السعودية من توسع في المشاركة والإلتزامات الشخصية والأسرية بل حتى والإجتماعية. ويضيف البعض الأخر أن مسألة تكاليف الطاقة ستكون بمثابة عامل مهم لتحقيق مبدأ (الضرورة) وهو ما تعول عليه فئات المجتمع لضبط مسألة الضرورة. فالقيادة للسيارة بشكل عام سواء للمرأة أو الرجل لابد أن تكون قائمة على ثقافة النقل، وليس كميزة شخصية أو ترفيهية.

 

مجالات أوسع:

لا شك أن إستعراضنا لجانب وحيد من الجوانب العمرانية والتغيرات الممكنة له في المدينة السعودية يعد نوعاً من القراءة البسيطة. وإلا على المستوى العلمي فالقضية أعمق وتحتاج إلى الوقوف على أبعادها وقراءة إنعكاساتها بمنهجية تحدد مسار الإتجاه لمستقبل المدن السعودية. ويجدر الإشارة إلى أن هناك العديد من الإشارات التي تلوح في أفق المدينة السعودية. وهو ما يتطلب وعي من قبل المختصين بهذه الإشارات وإستنباط الحلول الملائمة لكيفية تطبيقها حتى وإن كان ذلك ضمن إطار مقترحات عمرانية مبدأيه. فالموضوع أشبه بنوع من الولادة من جديد، وهو ما يعني ضرورة الوعي بحقيقة هذا التطور ومواكبته عمرانياً وهذا لن يكون إلا بطرح القضايا والنقاش حولها في الوسط العمراني، بشكل شفاف ومحايد للخروج بأفضل الحلول الممكنة لمدينة سعودية مشرقة ومثالية.

وسنحاول بإذن الله في الأعداد القادمة أن نرسم صورة أكثر عمقاً لهذا المستقبل العمراني.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد الأول للسنة الثالثة

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي