تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

السيارة.. أزمة

 

عام (1962م) إجتمعت قيادات مدينة كوبنهاجن الدنماركية لمعالجة قضية مهمة بدأت تلح وتضغط على العاصمة الأوربية الوادعة، القضية كانت تزايد عدد السيارات في المدينة وقال المجتمعون أنه إذا إستمر التزايد والنمو على الوضع الحالي، سيصبح من المستحيل العيش في هذه المدينة بعد عشر أو عشرين سنة. وعليه فقد قاموا بوضع خطة واضحة المعالم ملخصها (تقليل عدد السيارات ومواقفها) حتى لا تموت المدينة سواء بإختناق الشوارع بالزحام أو بصعوبة توفير المواقف. وبالفعل آتت الخطة أكلها بعد ثلاثة عقود، إذ زادت عدد الرحلات بالدراجات الهوائية بنسبة (60%) وأصبحت تحتل ربع رحلات المدينة تقريباً، كما حققت رحلات المشاة زيادة بنسبة (25%)،  بالإضافة إلى أنه تم إلغاء حوالي (50%) من مواقف السيارات وسط المدينة.

الملاحظ أن أزمة زيادة السيارات كانت في مدينة أوربية باردة وليست خليجية حارة، ثم أن السيارة كانت أزمة بالرغم من أنها كانت من أهم وسائل النقل في المدينة الأوروبية، والأهم أن قيادات المدينة أعتبرت السيارة أزمة منذ أكثر من نصف قرن، ونحن لا نزال نعتبر السيارة معيار للتطور والتقدم في القرن الحادي والعشرين!

وعلى إعتبار أن السيارة أزمة، بُنيت خطة لتقليل أعداد السيارات حتى تستطيع المدينة تحقيق التنمية والإزدهار، وبناءاً على هذه التجربة يتأكد لنا أن ثقافة النقل العام المستدام والمشاة والدراجات لم تولد في الثقافة الأوربية مع إنشاء المدن كما يروج البعض بسبب أجواؤهم الباردة، ولكنها ثقافة تم تعزيزها والترويج لها ضمن خطة واضحة المعالم لمعالجة أزمة كبيرة صنعتها السيارة في المدن.

الأجواء المناسبة للحركة والمشاة على مدار العام في مدن شمال أوربا أقل بكثير من الأجواء المناسبة في مدن الأبيض المتوسط كالإسكندرية مثلاً، ومع ذلك ترى أن إستخدام الدراجات الهوائية والمشاة في أمستدردام أكثر منه في الإسكندرية، وفي دبي ومع إطلاق مترو دبي عام (2009م) كان أغلب الناس ينتقدون وجوده لأن الأجواء لا تناسبه والثقافة ترفضه، ولكن الإحصاءات تشير إلى أن عدد من إستخدموا المترو منذ إطلاقه بلغوا مليار شخص!!، وفي دبي أيضاً لم تكن تلحظ وجود مواقف للدراجات الهوائية وإن وجدت فأعدادها محدودة جداً، ولكن اليوم ترى مواقف الدراجات الهوائية تنتشر بكثرة وخاصة حول محطات المترو ومواقف الباصات، وعليه فإن تغيير سلوك الناس في النقل غير مرتبط بنوع الأجواء ولا بنوع المجتمع ولكنها مرتبطة بسلوك وثقافة يتم تعزيزها أو نزعها من نخب المجتمع وصناع النغيير والقرار.

لا شك أن الحديث عن تغلل السيارة في الحياة العامة في الخليج حديث ذو شجون ولا نبالغ إذا قلنا أن السيارة أصبحت الضرورة الأولى قبل الوظيفة والمسكن والزواج، ومن عاش في دول أوربا وآسيا لاحظ أن قيادة السيارة ترفاً وليس ضرورة، فمن الطبيعي أن ترى موظفاً كبيراً لا يملك سيارة ولا يملك رخصة قيادة أيضاً، ولكنه يعيش حياة طبيعية ويتنقل بسلاسة بوسائل مواصلات متعددة، ولكن هنا أصبح الأمر أشبه بالمستحيل لعدة عوامل أهمها ليس الجو والثقافة كما يشيع البعض، ولكن بسبب ضعف وسائل النقل العام- علماً أن مشاريع القطارات والمترو خطوة في الطريق الصحيح- وتخطيط المدينة الذي يجعل السيارة هي ملكة المدينة ولا يشجع على المشي من خلال ممرات مشاة آمنة ولا يحث على النقل العام بمسارات الباصات والدراجات الهوائية، ناهيك عن عدم وجود قطارات أو شبكات المترو والترام.

وختاماً فإن إعتبار السيارة أزمة حقيقية تقتل المدن هي الخطوة الأولى لإيجاد بدائل لها، بدءأً بالأحياء السكنية التي لا بد أن تخطط للناس بحيث يكون تنقلهم اليومي إلى المسجد والبقالة والحديقة مشياً على الأقدام و بلا سيارات، كما أن ربط المدارس بالأحياء السكنية بحيث يستطيع الطلبة الوصول لمدارسهم مشياً على الأقدام أو بإستخدام الدراجات الهوائية تعتبر خطوة أخرة في الطريق الصحي، مروراً بتقوية شبكات المترو والقطارات والترام وغيرها من وسائل المواصلات التي تجعل المدينة خالية من السيارات، وإنتهاءاً بفرض رسوم وضرائب على إمتلاك السيارات بالإضافة إلى شروط صارمة للحصول على رخصة قيادة بهدف تقليل الشريحة التي تستخدم السيارات إلى أقل حد ممكن.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر