تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

أهمية المشاركة السكانية الفعَالة في عملية اتخاذ القرار لتخطيط الأقاليم والمدن

 

في أواخر الستينات الميلادية، كان التوجه المعمول به في عملية التخطيط للمدن والأقاليم يعرف بـ "نموذج التخطيط العقلاني" (Rational Planning) والذي يعتمد على مجموعة من الإجراءات المرتبطة ببعضها البعض كفهم المشكلة وتحليلها، وضع الأهداف، تقييم معايير التخطيط، صياغة البدائل وتنفيذها، وصولاً إلى رصد التقدم المحرز في البدائل المختارة. ويهدف تطبيق نموذج التخطيط العقلاني إلى إتباع مسار عقلاني منظم ومحدد للحصول على الحلول، ولكن تعرض هذا النموذج لعدة إنتقادات منها، أن متخذ القرار في عملية التخطيط يعمل بمنأى عن الواقع الذي يعيشه السكان، ويركز على الجانب الفيزيائي للتخطيط بدون أخذ الإعتبار للجانب الإجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، فإنه قد يتلمس ويلبي حاجات الأطراف ذات النفوذ والقوة السياسية والمالية بالمدينة ويتناسى حاجات الفئات الأقل نفوذاً وسلطة.  

ولمعالجة الخلل الذي يشوب تطبيق نموذج التخطيط العقلاني، ظهر مفهوم جديد للتخطيط العمراني وهو (التخطيط التشاركي)   (Participatory Planning) والذي يركز على إشراك المجتمع بأسره في مراحل التخطيط على مستوى المجتمع المحلي، سواءً في المناطق الحضرية أو الريفية. ويهدف التخطيط التشاركي إلى تنسيق وجهات النظر بين جميع المشاركين فيه، فضلاً عن منع الصراع بين الأطراف المتعارضة. بالإضافة إلى ذلك، تتاح للفئات المهمشة فرصة للمشاركة في عملية التخطيط.

وكما أثبتت العديد من التجارب العالمية بأن تحقيق أهداف التنمية العمرانية لا يمكن أن يحدث بديمومة دون مشاركة السكان المعنيين بالتطوير والتنمية في جميع مراحل الخطة التنموية بدءاَ من مرحلة تحديد المعوقات والمشاكل العمرانية إلى مرحلة صياغة أهداف الخطة الموجهة للتطوير ومراحل تنفيذها ومراجعتها وتقويمها. كما أن مشاركة السكان في الخطة التنموية، تمنحهم الشعور بالثقة نحو القرارات المتعلقة برسم وتكوين محيطهم العمراني، وحينها يصبح السكان أكثر تقبلاً وتأييداً لهذه القرارات. من خلال المشاركة السكانية في عملية إتخاذ القرار، يمكن الإجابة على العديد من التساؤلات من أبرزها: مدى مناسبة الخطة الموضوعة لتلبية إحتياج السكان، الموارد المالية وطرق التمويل المتوفرة لتنفيذ الخطة، الجهات المشاركة في تنفيذ الخطة ودور ومسؤولية كل جهة، وتحديد أولويات التنمية حسب الإمكانات المتاحة.

في السعودية كان أول ظهور لعملية المشاركة السكانية في التخطيط، بتأسيس ما عرف آنذاك بـ (المجلس الأهلي) في مكة المكرمة والذي أمر به الملك عبد العزيز -رحمه الله- عند دخوله لها في العام (1343هـ)، وبعدها تعرضت تجربة المشاركة السكانية لفترة إنقطاع حتى تأسيس وزارة الشؤون البلدية والقروية في عام (1397هـ) والتي كلفت بمهمة الإشراف على المجالس البلدية. تعتبر المجالس البلدية (سلطة بلدية مستقلة في أعمالها عن الجهاز التنفيذي للبلديات وتمارس أعمالها وإختصاصاتها النظامية في التقرير والمراقبة وتتكون من أعضاء منتخبين يمثلون السكان). تم إعادة تبنى نظام المجالس البلدية وتنظيمها وإصدار اللوائح الخاصة بها في عام (1425هـ)، تلاه صدور اللائحة التنفيذية الجديدة لنظام المجالس البلدية في عام (1437هـ).

وحيث تضمنت المادة الثلاثون من اللائحة تنظيم ورش عمل يكون الحضور فيها متاحاً أمام المواطنين وإستقبال شكاويهم خطياً وإلكترونياً. وبالرغم من أن صلاحيات المجالس البلدية حسب اللائحة التنفيذية التي صدرت عام (1425هـ)، تتيح لها إعتماد آلية للتواصل مع المواطنين، إلا أن الآلية المعمول بها حالياَ تتعرض للعديد من القصور مثل: التعامل مع القضايا المطروحة بشكل فردي غير شامل ومتكامل وعدم وجود منهجية واضحة لعملية إتخاذ القرار.

يمكن تحديد المنهجية المستخدمة بإعتبار عدد عوامل مثل: سبب المشاركة والنتائج المتوقعة منها، طبيعة المشاكل والقضايا المطروحة، الأشخاص المؤثرين والمهتمين بوضع حلول للمشاكل، الوقت المتاح للإجتماع أو ورشة العمل، والموارد المتاحة. إنتشر في أمريكا الشمالية ودول أخرى إستخدام العديد من المنهجيات التي تساعد السكان على تحديد المسار المناسب للتطوير والتنمية مثل (Citizen Jory)، (Charrette) (Consensus Conference)،  (Delphi), Focus group), (Participatory Assessment, Monitoring and (Evaluation), (Democracy process). وسوف نستعرض في هذه المقالة إحدى المنهجية المستخدمة (Charrette): وهي عبارة عن ورش عمل مكثفة يتم فيها حضور مجموعات مختلفة من المجتمع مثل الخبراء والمهندسين، للحصول على أراء متوافقة حيال العمل على تحسين أو تصميم مقترح لمنطقة ما. ويتم في ورش العمل تقسيم المشكلة الرئيسية إلى أجزاء وتقسيم المجموعات المتواجدة على مجموعات فرعية بحيث تعمل كل مجموعة على وضع مقترح أو حل لجزء من المشكلة الرئيسية. وتقوم كل مجموعة بإستعراض ما تم الوصول إليه لجميع المشاركين، وتتكرر هذه الخطوات إلى أن يتم الحصول على رأي مشترك. أعداد المشاركين في هذه المنهجية تتراوح بين خمسين إلى ألف مشارك، وقد تمتد الفترة من أربعة أيام إلى أسبوعين.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر