تجميد المعماريين الأكاديميين

 

لازالت المملكة تشهد العديد من المشاريع التوسعية ومشاريع البنى التحتية الضخمة التي تتفوق غالباً على مثيلاتها في العالم، نظراً لوقت تنفيذها والحاجة إليها والحالة الإقتصادية للمملكة. إلا أن مشاركة المهندسين والمعماريين السعوديين فيها ضعيفة لعدة أسباب، أهمها قلة العدد مقارنة بحاجة هذه المشاريع، وهذا الجانب يحتاج لسنوات لإيجاد متخصصين بالعدد الكافي. كما أن وجود فرص وظيفية أفضل للمتخصصين تمنعهم من المشاركة أو الاستمرار في هذه المشاريع كونها مشاريع بمدة محدودة ولا تحقق الأمان الوظيفي الذي يطمح له معظم الشباب السعودي، وهذا يمكن معالجته بفهم طبيعة هذا المجال، فالانتقال من مشروع إلى آخر خلال حياتك المهنية طبيعي ومرغوب ويرفع من مستوى المهنية ويبني سيرة ذاتية مميزة ويساعد على اكتساب خبرات متنوعة.

من الطبيعي أن يتعلم المهندسين والمعماريين الكثير من المهارات من خلال ممارسة العمل، إلا أن وجود بعض الفجوات بين التعليم الجامعي وواقع المهنة يؤثر بشكل كبير على استيعاب المتطلبات، ويعود ذلك إلى عدم ارتباط أساتذة الجامعة بالعمل المهني بشكل مباشر. ولا أعني هنا عدم فهمهم لواقع المهنة إنما أقصد إيجاد مُثل عليا للطلاب وتمهيد إنتقالهم لسوق العمل وطمس أي فجوات بين التعليم وواقع ممارسة المهنة.

تحضى المملكة بالعديد من الكفاءات الأكاديمية المعمارية وتخرًج على أيديهم أعداد كبيرة من المتخصصين، وهم مصدر فخر واعتزاز لنا جميعاً، وكنا نتمنى أن يكون لهم ما لغيرهم في الدول الأخرى، وأن يكون لهم بصمتهم على العمارة السعودية بشكل مباشر، فالنظام يمنع ممارسة الأكاديميين للأعمال التجارية الحرة كونهم موظفين حكوميين، وهو بذلك يحرمنا وجود أسماءهم على مكاتب استشارية علناً ويحرمهم من خلق إرث معماري مرتبط بهم ويعكس أفكارهم وتوجهاتهم المعمارية. فإيجاد أسماء لامعة في المجال الهندسي والمعماري مكسب للجميع. صحيح أن منهم من يشارك بأفكاره مع بعض المكاتب المحلية، حيث يصعب حرمان المعماري من التصميم وكل طموحه أن يرى أعماله على أرض الواقع، إلا أن أغلب أعمالهم تكون على استحياء وبالخفاء تحت مسميات من يثقون بهم من الأصدقاء. فوجود أعمال مميزة لأساتذة الجامعة يجعل منهم مثل عليا لطلابهم ويزيد من رصيد التعليم الجامعي كممارسة، فوصول المعماري الأكاديمي لمستوى متميز من الأعمال ينعكس بشكل كبير على سمعة الجامعة ومخرجاتها، ويربط الأكاديميين بواقع المهنة بشكل مباشر ويوجِد مساحة وإمكانية لتدريب الطلاب في مكاتب من علمهم مبادىء العمارة، فهم بالتأكيد أجدر من غيرهم وأرحب صدراً لتدريب طلابهم وإشراكهم في المجال المهني، بل أن وجود مكاتب لهم سيسهل توظيف الطلاب بعد تخرجهم كونهم أعلم بمستواهم من الجهات الخاصة الأخرى. وكما هو الحال للممارسين والأكاديميين الصحيين، يجب أن نفكر جدياً وبشكل سريع أن نترك المجال للمهندسيين والمعماريين الأكاديميين أن يعملوا بالقطاع الخاص لمحو الفوارق بين الجوانب الأكاديمية والواقع المهني، ونسهل إنتقال الطلاب لمشاريعنا الحيوية. فيجب على الهيئة العمل بجد لتحقيق هذا الطموح يداً بيد مع الجامعات، فمشاركة الجامعات ببعض المشاريع والمسابقات المعمارية لا تنعكس فعلياً على الواقع فالكثير منها يتم بمشاركة مكاتب أجنبية ويكون دور الجامعة عن بعد ولا يربط الطلاب ومنسوبي الجامعة بشكل مباشر بالمسابقة.

ففي الجامعات الأمريكية على سبيل المثال تجد أن أغلب الأساتذة ممارسين لمهنة العمارة وتميزهم يمنح الجامعات تميزاً أكبر، فقد كان أساتذتنا ينظمون زيارات لأعمالهم المنفذة أو التي قيد التنفيذ ونقوم بزيارة مكاتبهم، بل إن بعض الطلبة يعملون أو يتدربون بها، ولذلك لا أرى ما يستوجب الحرج من العمل في الجامعة والمكتب الخاص في آن واحد، كما أنه ليس من المعقول أن نجبر أستاذنا على مخالفة الأنظمة أو نعزلهم عن الواقع المهني، فهذا النظام الذي جمّد هذه الخبرات العلمية أوصل بعض الأكاديميين لنقاشات طويلة مع الطلاب حول تفاصيل دقيقة، وتساؤلات مثل هل أنا مهندس أم معماري!! في الوقت الذي تعيش فيه المملكة نهضة عمرانية وتقنيات متقدمة وممارسات مهنية دقيقة لا تأخذ حقها من النقاش.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي