اليد المحلية واليد الأجنبية في مدننا العربية

التقدم الكبير الذي تشهده المدن الغربية من جميع النواحي جعل المدن العربية والأسيوية تستلهم وتنسخ ما هو في الغرب في محاولة للإلتحاق بهم. لا أستطيع أن أحصر الأمثلة لأنها كثيرة فنحن نتحدث عن دبي بوسط الصحراء التي أصبحت مدينة عمرانية عربية بطراز غربي في فترة وجيزة أو جاكرتا التي تشق طريقها لتكون منافس كبير لدبي في عدد الأبراج والمشاريع الضخمة أو حتى المدن اليابانية التي أرسلت محترفيها ليتدربوا في مكاتب الغرب وجذبت المعماريين الغربيين وحفزتهم للإنتقال لليابان وبناء المشاريع ذات الطابع الغربي. كل هذه الجهود الهدف منها هو نقل تجربة المدينة الغربية لمدننا العربية والأسيوية وإجبارها على قبول تلك الثقافة المستعارة من بيئة أخرى. ولست هنا بصدد تقييم نجاح المدن التي سلكت مسلك الغربيين أو فشلها بقدر ما سأقوم بعرض رأي مهم لمعماري وعمراني غربي ينتقد الثقافة المبنية الغربية ويجعل من العمران الإسلامي مثالاً يحتذى به.

أرثر أيريكسون مواطن كندي درس العمارة والتخطيط وله مشاريع حكومية وخاصة كبرى وصاحب نظريات مشهورة في مجال العمارة وأكمل تعليمه في دول مختلفة من أمريكا الشمالية وحتى آسيا ولم يترك دولة أو ثقافة إلا وزارها وإستكشفها وحللها.

وكان من حسن الحظ أنه زار عدداً من الدول الإسلامية من بينها السعودية وقام بتصميم بعض مباني الوزارات الحكومية في الرياض وفي غضون 30 سنة زار أكثر من 25 دولة إسلامية من بقاع شتى. بعد كل هذه المشاريع التي قام بها أريكسون توصل إلى حقيقة واحدة ذكرها في إحدى مقالاته ألا وهي أن الغربي يستحيل أن يفهم البيئة المبنية الإسلامية وأن كل شخص خارج هذا النطاق الإسلامي من أي بقعة كانت سيكون من الصعب عليه أن يعي بأساسيات هذا المكون العربي الإسلامي والوحيدين القادرين على التعامل معه هم المسلمين أنفسهم. إستنتاج أريكسون لم يكن عشوائياً بل كان مبنياً على رأيه الخاص المتعلق بالجانب الروحي في المدن الإسلامية وهو الجانب المهمش في البيئة الغربية. حسب رأي أريكسون, فإن الثقافة الغربية تهتم بالمظهر والتصميم والوظيفة ولكنها لا تعي أهمية الجانب الروحي المتعلق بالجسد وهي حلقة مفقودة لن يفهمها المجتمع الغربي.

وحتى يثبت رأيه, يقول أريكسون أن بعض المستشفيات الكندية قامت بفلسفة لمعالجة الناس تختلف عن تلك الفلسفة الغربية الشهيرة القائمة على فكرة أن المستشفى هو مكان لعلاج "المرضى" بل إستحدثت فكرة جديدة وهي أن المستشفيات ستقوم بعلاج "الأصحاء" من الناس عن طريق توفير مقاعد مستشفيات توعوية هدفها إعطاء النصائح للعامة من الناس عن كيفية تجنب الأمراض والكشف على روتينهم اليومي وتصحيحه من وجهة نظر طبية ووجدوا أن هذه الطريقة قللت من نسبة المرضى بشكل كبير وهي أكفأ من تلك الفكرة المهيمنة حالياً . هذه الفكرة تم إستنساخها من الحضارة الإغريقية القديمة بسبب إعتقادهم أن خير وسيلة لدفع المرض هو الوقاية منه لذلك أريكسون يقول أن الموروث الإسلامي فيه من الدروس الكثير التي لو تم إستخدامها عمرانياً فإنها ستنجح لأنها خرجت من رحم هذه الثقافة وهو ما يستحيل على الغربي أن يقوم بعمله وأن هذه الحلول لن يعرفها إلا أبناء الثقافة نفسها.

هذا قد يفسر سوء حال المدن العربية بشكل عام حيث أن كلام هذا الرجل الغربي الخبير في مجاله لم يأتي من فراغ بل أتى بعد رحلة طويلة في العالم الإسلامي. وعندما تنظر اليوم إلى حال مدننا السعودية والخليجية بشكل عام, ستجد أن أغلب هذه المشاريع همشت أبناء الثقافة المحلية رغم وجود كفاءات واعدة وقدمّت المكاتب الإستشارية الغربية عليهم ومن الصعب والنادر جداً أن ترى سياسات عمرانية قامت على سواعد محلية بل للأسف ستجدها قامت بيد مكاتب عالمية لا تعرف عن حال وتاريخ مدننا شيء وتصمم وفق معطياتها وجلبت لنا أنظمة وقوانين لا تتوافق معنا وكانت النتيجة أننا ما زلنا نبحث عن هوية عمرانية ونتخبط في مشاريعنا القادمة وتركنا الإهتمام بالسكان وتحقيق تطلعاتهم إلى الدخول في رحلة سباق عدد الأبراج وأكبر المشاريع في العالم. وهذا ما علق عليه أحد الباحثين من جامعة البحرين عندما قال أن تفوق دبي عمرانياً في المظهر أظهر لنا على السطح ظاهرة جديدة تسمى (Dubaization) وهي بإختصار أن اغلب المدن العربية أصبحت ترى دبي كمثال وقدوة وإتجهت إلى اللحاق بها في المظهر الخارجي دون مراعاة الثقافة المحلية أو التنمية المستدامة ويختم الباحث أن علينا أن نشجع ظاهرة (Glocalization) كبديل وهي في ما معناه أن ندرس الثقافات الغربية بعناية وأن نضعها ونطبقها بقالب محلي حتى تنجح وهو ما يستدعي تعاون بين المكاتب الأجنبية الإستشارية وأبناء الثقافة المحلية. 

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي