تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

البوليفارد : محاولة لإنقاذ الفراغ العمراني

December 19, 2017

 

من وجهة نظري الشخصية أن تجربة مشاريع البوليفاردBoulevard – وما يماثلها - في المدن السعودية تمثل خطوة جريئة وتحولاً جذرياً في نمط الحياة والتعامل مع الفراغات العمرانية التي عانت لعقد من الزمن الإهمال والفشل الذريع في توظيفها والاستفادة منها واستثمارها لتحفيز علاقة الإنسان بالمكان، حتى بات سكان المدن في عزلة كبيرة عن مدنهم، قابعين بداخل كتل خرسانية مغلقة، يمارسون أنشطة حياتية أشبه بعالم افتراضي انعكس سلباً على سلوكيات أفراد المجتمع.

لقد استطاع هذا النوع من المشاريع خلق "أماكن المصادفة" في المساحات المفتوحة، وإتاحة الفرصة للفرد من التعايش المباشر مع المكان بمقياس المشاة الطبيعي، كما شجع على تنظيم العلاقات الإنسانية (الأفراد – العائلات) معاً في وسط من الاحترام والخصوصية بل واخضاعها لاختبار فعلي، حتى لم يعد لتلك "الفوبيا" الاجتماعية التي هيمنت – سلباً- على علاقة الرجل بالمرأة في الماضي أية وجود، ثمة طبيعة بشرية سادت بفعل التخطيط والتصميم الموجهة، هكذا يمكن لفلسفة توزيع الاستخدامات المكانية أن تتحكم بسلوكيات الناس وترتقي بها، إنه مثال رائع ومحتذى في صناعة المكان.

لم يكن من عادة المطورين في القطاع الخاص التضحية بنسبة كبيرة من الأرض ذات القيمة العالية لصالح الممرات والطرق ومواقف السيارات وممرات المشاة ولكن لقناعتهم الكبيرة من الجدوى الاقتصادية لمثل هذه المشاريع لم يترددوا في مثل هذه المجازفة " المحسوبة" ، والإقدام على مثل هذه المشاريع وتكييفها مع البيئة المحلية في ظل عدم قدرة المدن السعودية بغطائها الحكومي على المنافسة في تقديم البديل الأمثل لتوظيف الفراغ العمراني كأحد مولدات الحياة داخل المدن ، هذه التجربة رغم أن الوقت مبكر على تقييمها إلا أن المؤشرات الأولية تؤكد أنها كسبت الرهان وحتما ستحمل المشاريع المماثلة في قادم الأيام أساليب مبدعة ومبتكرة ومطورة .

لطالما انتقدنا القطاع الخاص في ممارساته السلبية في كثير من مشاريع التخطيط والتطوير العمراني داخل المدن في حقبة زمنية مضت ساهمت وبشكل مباشر في القضاء على القيم المعمارية والعمرانية، لكن يجب أن نعترف اليوم بأن هناك ثمة تطور كبير في ثقافة الارتقاء بالبيئة المبنية لدى القطاع الخاص، حتى أصبح يقدم نماذج نوعية لعناصر التطوير، وبات أكثر فهماً واستيعاباً لاحتياج سكان المدن السعودية وهذا ما يحفز إلى إقناع إدارات المدن بتقديم التسهيلات اللازمة لهذا القطاع ومراجعة الأنظمة وتقنينها وتيسيرها لتمكين مثل هذه المشاريع من الظهور والانتشار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واستعادة الحياة المفقودة من جديد، فالقطاع الحكومي حتماً لن يكون قادراً على جعل المدن ملائمة للناس دونما يكون القطاع الخاص هو الذراع التنفيذية والاستثمارية والمشغلة. مدننا "المغلقة" و"البائسة" و"الطاردة" عليها أن تعمل جاهدة لتغيير ثقافة إدارتها، وأن تسعى

لإخراج سكانها من منازلهم إلى الفراغات العمرانية من خلال مشاريع ذات وظائف إنسانية جاذبة في " الهواء الطلق" ، يجب أن تتجاوز بالعائلة السعودية ذلك المسار التقليدي الذي يبدأ من المنزل " المغلق" إلى المول "المغلق" ونهاية بالمطعم "المغلق" وعودة بسيارة " مغلقة" ، جيل بأكمله نشأ في "أماكن مغلقة".

أسلوب إدارة المدن يجب أن يتغير، آن الأوان للخروج من المعادلات المعقدة، والتخلص من المبادئ التي تجاوزها الزمن، لابد أن تكون "التنافسية" هي المتغير الرئيس في منهجية العمل وعقلية التطوير، لم يعد من المقبول أن تبقى المدن غارقة في التقليدية المفرطة بحجة " الأنظمة" و"الأعراف" المهنية والتي أثبتت التجارب طوال السنوات التي مضت أنها "فشلت" في بناء مدن صالحة للعيش وكانت المعوق الرئيسي في بقاء المدن داخل تلك الدوائر المغلقة، إذا ما أردنا الذهاب بالمدن السعودية إلى المستقبل، فلا بد من بناء جسور من الثقة مع شركاء المدينة، صناعة الفوبيا أمام كل خطوة حياة جريئة سوف يجعل منها أماكن " أحادية" و"كئيبة" وسيصبح سكانها أكثر "عزلة".

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر