الاستثمارات الكبرى : المدن كمشاريع استثمارية

 

منذ سنوات والقطاع الاستثماري للحكومات والدول يتجه نحو (المدن الجديدة)، باعتبارها مسار استثماري كبير وذا فائدة على التنمية. والشواهد اليوم حيال ذلك كثيرة في مختلف دول العالم. إلا أن هناك سؤال قد يظهر من زاوية عمرانية، فهل هذا التوجه هو حل عمراني أمثل في ظل صعوبة تطوير المدن القائمة؟ وهل هذا التوجه يمكن أن يكون منهج عمراني لتحقيق تنمية متوازنة على المستوى الوطني مثلاً؟ في هذا العدد سنستعرض أبرز وجهات النظر حول ذلك.

 

لم تعد فكرة النمو التدريجي للمدن هي الفكرة السائدة اليوم. فالمدن اليوم أصبحت أشبه بالمشاريع التي يتم إنشاؤها لكي تؤدي غرض ما وتخدم فئة معينة. هذا المسار الانتقائي لمفهوم المدينة كان ولا يزال محل جدل بين أوساط المختصين. ما بين مؤيد للفكرة وما بين متحفظ على أهميتها وجدواها. وهذا الجدل قائم على عدة محاور مختلفة. وعلى الرغم من أن كل محور من هذه المحاور يقبل عدة أوجه وأراء مختلفة، إلا أنه لا مانع من الإشارة لها بشكل عام على النحو التالي:

أولاً: التمدد العمراني:

لا شك أن قضية النمو أو التمدد العمراني، تُعد من أهم المشكلات العمرانية التي تواجهها المدن القائمة حالياً، في ظل استمرار الهجرة الداخلية والخارجية لهذه المدن الجاذبة بحكم الفارق التنموي بينهما وبين المدن الثانوية. هذا التمدد يمثل نوع من التهديد على المدن الحالية وبالتالي عدم جدوى أعمال التطوير ضمن إطار استثماري كبير. صحيح أن هناك مجال للاستثمارات المتوسطة أو الصغيرة والتي تتعلق بالبنية التحتية والخدمات. إلا أن الاستثمار بشكل كبير قد يكون غير مجدي في المدن الحالية، مع هذا التمدد الذي يزيد من تكلفة هذا الاستثمار. ولذلك يرى البعض أن الخروج من النطاق العمراني الحالي للمدن وبناء مدن جديدة هو الحل الأمثل. يختلف مع هذا التوجه المهتمين بالاقتصاد المحلي، سواء من حيث التوجه لبناء مدن جديدة وعدم تدوير هذا الاستثمار في المدن القديمة أو حتى الريف أو من حيث بناء مدن كبرى. بينما يمكن الاستفادة من فكرة المدن الصغيرة أو المستوطنات حول المدن القائمة، بهدف تحقيق تواصل مستمر وانتفاع الفئة المحلية بآثار هذا الاستثمار.

 

 ثانياً: الجذب:

يعترض أصحاب فكرة المدن الجديدة على عملية الاستثمار المحلي للمدن الحالية. وعادةً ما يربط بين الاستثمار والجذب بمفهومه العام، سواء كان لرؤوس الأموال أو للعقول والمواهب أو حتى للباحثين عن مكان جديد. وتقوم هذه الرؤية على أنه لا يمكن أن تكون هذه المدن الجديدة متاحة للجميع. وإلا سوف تتكرر المشاكل القديمة ولن يكون هناك جدوى من الاستثمار وأن الدرس المستفاد من المدن القديمة هو أهمية (ضبط الجذب) وإخضاعه لمعايير صارمه من أجل تحقيق فائدة قصوى قائمة على مفهوم الاستدامة. ويرى البعض الآخر، أن ضبط عملية الجذب تكون من خلال التنمية العكسية وليس البدء من جديد. حيث يصرون على أن تفعيل المدن الثانوية والقرى كفيل جداً بتحقيق التوازن وضبط الجذب، في ظل ثورة التقنية والمعلومات التي يمكن أن تربط أي شخص في العالم بما يحدث. ويضيف هؤلاء أن هذا التوجه كفيل بتحقيق استثمارات اقتصادية مجدية تقوم على التوجه المحلي.

ثالثاً: اقتصاد المدن وليس الدول:

يستدِل المهتمين بموضوع المدن الجديدة على افتراضية اقتصادية شبه مؤكدة اليوم. وهي أن العالم يتجه نحو (اقتصاد المدن) وليس (اقتصاد الدول)، بحيث أن المدن أصبحت بحد ذاتها تمثل اقتصاداً شبه مستقل من خلال الخصائص والمميزات التي تحاول إبرازها والعمل معها. هذا التوجه يأتي في إطار مفهوم (المحلية)، إلا أنه (محلية أشمل)، فلم تعد الأرياف والمدن كسابق عهدها. وأن هذه العلاقة موجودة فقط في الدول النامية. ويرى الجانب الآخر أن هذا التصنيف هو المعيار الأول في إنشاء هذه المدن الجديدة. فالتحول من دول نامية إلى دول صناعية أو شبه منتجه لابد أن يمر بمراحل عديدة على مستويات مختلفة وهذا ما يقع فيه هذا التوجه من خطأ قد لا يستفيد معه بالشكل المطلوب.

نظرة عامة:

لا شك أن هناك العديد من الآراء التي ترتبط بالتوجهات الحديثة نحو المدن، وكذلك هي النقاشات حول ذلك. فالموضوع لم يُحسم ولا يزال في طور الدراسة والتمحيص. خصوصاً أن النتائج عادةً ما تكون على المدى الطويل ولا يمكن قياسها أو معرفة آثارها في وقتٍ قصيرٍ. ولعل ذلك ما يجعل هذا التوجه من أكثر التوجهات جدلاً، ليس على المستوى العمراني وحسب، بل حتى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. فالمدن هي وعاء فيزيائي لهذه المستويات ولا تقتصر على جانب دون آخر.

 

 

للمزيد

يرجى الإطلاع على العدد العاشر للسنة الثانية

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي