تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي

تحديث مخططات المدن السعودية أهم من وجود المخططات نفسها!

 

المطّلِع على مخططات المدن السعودية "مخطط استخدامات الأراضي والمخطط الشامل" سيجد بشكل واضح أن هذه المخططات قديمة للغاية ولا يتم تحديثها الا على فترات متباعدة قد تصل إلى 20 سنة أو أكثر. بعض المدن السعودية لديها مخططات لم تحدث منذ 35 سنة والبعض الآخر يحدثها فقط دون العمل بها. هذه المخططات سواء كان اسمها المخطط الهيكلي, مخطط النمو, المخطط الشامل أو غيرها من المسميات هي ذات بعد استراتيجي. وعندما نقول استراتيجي فهذا يعني ان هدفها مستقبلي وتعمل كخارطة طريق فتكون هي ذات أهداف كبرى وكل ما يتم اعتماده تنموياً من قرارات ثانوية يجب ان يصب في هذه الأهداف ذات الغايات الأكثر أهمية. 

ولكن تحديث هذه المخططات بشكل دوري "على الأقل مرتين في السنة" هي الخطوة الأهم, وعدم التحديث يعني ان هناك كماً كبيراً من التغيرات التي تطرأ نحن لا نلقي لها بالاً. بل يحق لنا ان نقول ان أي مدينة لا تحدث مخططاتها فهي مدينة قابعة تحت العمل الروتيني والبيروقراطية التي تقتل روح العمل الحكومي لإدارة المدن ولا تفهم كيان المدينة (الكيان ذو المتغيرات المتسارعة). ولكن لماذا نلح على ان المدن يجب ان تقوم بتحديث مخططاتها؟ لماذا لا تكتفي المدن بتبني مخطط واحد والابقاء عليه كما هو وتحديثه في فترات متباعدة كما تفعل المدن السعودية؟

عندما تقرأ عن الاستراتيجيات في علم الإدارة ستجد ان تكوينها يعتمد على مصدرين اثنين لا ثالث لهما. الأول ما يطلق عليه بـ (Anticipated Opportunities)  وهي الفرص المتوقعة والتي يرى القادة - حسب ادراكهم - انها فرص مهمة ويجب ان تطوع الاستراتيجية كاملة للوصول لهذا الهدف أو الفرصة. هذا المصدر مهما وصل من تعقيد في صياغته يبقى عملاً إدراكياً لمجموعة من الأشخاص الذين بنوا حسب خبرتهم وفهمهم الهدف المتوقع. وفي حالة المدن السعودية, يجب علينا ان نتذكر ان هذه الفرص المتوقعة تصاغ من قبل مكاتب استشارية غربية مرموقة. ولكن قوة الاستراتيجية تأتي من المصدر الثاني وهو المصدر الغائب محلياً. فما هو هذا المصدر؟

المصدر الثاني لصياغة الاستراتيجية هو عكس الأول  (Unanticipated Opportunities)  وهي المشاكل والمعضلات التي تطرأ اثناء تطبيقك للاستراتيجية المدروسة. هذه المشاكل هي المقوم الأول للاستراتيجية لديك فهي تعمل عمل "الفلتر" فتقوّم المصروفات والمشاريع وتحدث لديك توازن في التنمية اذا قمت في اخذها بعين الاعتبار. اما ان تجاهلتها فأنت تركض خلف سراب في الصحراء للوصول إلى اهدافك. وحتى تتضح لديك الصورة سأستشهد بشركة هوندا وتجربتها. 

عندما ارادت هوندا دخول السوق الأمريكي للسيارات للمنافسة, كان هدفها الاستراتيجي الواضح هو "منافسة الشركات الأمريكية باستخدام المواصفات الأمريكية لصنع السيارات". لذلك قامت بصنع سيارات ذات حجم كبير كسيارات الفورد والجمس وغيرها. ولكن لم تنجح هوندا في المنافسة بسبب الأعطال المتكررة لسياراتهم, فالمسافات بين المدن الأمريكية شاسعة وطبيعة عمل السيارات اليابانية هي ان تكون سيارات داخل المدينة وليست خارجها. هذه المشاكل التي واجهتها هوندا في السوق الأمريكي اجبرتها على تحويل استراتيجيتها من صناعة سيارات تشابه السيارات الأمريكية في الحجم إلى صناعة سيارات ذات حجم صغير تشابه تلك الموجودة في السوق الياباني. والنتيجة كانت نجاح هذه الاستراتيجية واصبحت السيارات اليابانية ذات الحجم الصغير هي مطلب المستخدم الأمريكي. تغيير هذه الاستراتيجية كان بسبب الـ  ( Unanticipated Opportunities)  وهي الفرص الغير متوقعة والتي لم تدرسها شركة هوندا ولكنها طرأت بعد ذلك اثناء تطبيق الاستراتيجية المدروسة.

كيف ينطبق هذا السيناريو على المدن السعودية؟

سبب تأخر المدن السعودية في التنمية هو الجهل بهذه الفرص الغير متوقعة. وما يوجد في مخططات المدن السعودية من أهداف لا يواكب متطلبات المرحلة, لذلك تجد كثيراً من الأهداف الموجودة داخل الاستراتيجية لم نصل اليه والسبب انها اهداف ثابتة بعيدة عن الواقع ولا تتغير بمرور الزمن. فهناك متغيرات مكانية للمدن ذات وتيرة سريعة, وهناك تغيرات في السوق والتكنولوجيا بوتيرة اسرع. اليوم لو تحدثنا عن ثقافة الـ TOD فستجد انها غائبة بشكل كامل رغم دخول المترو. ولو تم التطرق لفكرة المدن الذكية فستجد ان مدننا ما زالت تدرس هذا الاتجاه وكيفية تطبيقه من سنين عديدة رغم انه طبق حول العالم. بالإضافة إلى اننا متأخرين كذلك في النمو العمراني وتقنينه, الحي السكني وحيويته, النسيج الاجتماعي وترابطه, ازدحام الطرق وتأثيره, التخطيط الاقليمي وتوزيعه....الخ 

هذا التأخر في التخطيط العمراني له تكاليف باهظة الثمن على المنظورين البعيد والقريب. ووجود المخططات العمرانية لمدننا بهذا الشكل يفاقم من هذا التأخر لذلك تحديث هذه المخططات هو خطوة أولى لمحاولة صد التأخر العمراني.

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر