التقنية والعمران: ظهور المدينة المتصلة

 

منذ بديات القرن الواحد والعشرين. يعمل المخططون العمرانيون مع متخصصو التقنية على توظيف التكنولوجيا الحديثة في تشغيل وإدارة المدن. وعلى الرغم من جذور هذا التعاون تعود إلى منتصف القرن العشرين. إلا أنه يمكن القول، بأن هذا التعاون أصبح ملموساً لدى العامة منذ هذا التاريخ. بل أصبح هذا التعاون ونتائجه أحد معايير قياس أداء المدن لدى العامة.

 

مفهوم التقنية في العمران:

لا يوجد تعريف واضح على (مفهوم) التقنية وتطبيقاتها العمرانية، ولكن تشير معظم المقالات والأوراق العلمية. إلى أنها لا تخرج عن (تحسين مستوى أداء وتشغيل المدن) سواء كان هذا التحسين للبنية التحتية والفوقية، الحياة الإجتماعية والثقافية، البيئية وجودتها أو حتى الجوانب الأمنية والحماية ضد مخاطر التطرف والإرهاب. وترويع المواطنين. ولذلك يصعب على الكثير إستيعاب مفهوم تطبيق التقينة دون الدخول في تفاصيل التصنيفات الخاصة بتشغيل المدن. إلا أننا سنحاول إستعراض أبرز ملامح فوائد تطبيق التقنية في نطاق العمران. وذلك على النحو التالي:

 

أولاً : الإطار التشغيلي :

يركز المهتمون بالتقنية وتطبيقاتها في البيئة العمرانية، على قدرة التقنية في ربط وتشغيل المدن بكل دقة وإحترافية،

فمواضيع إدارة التدفق المروري أو تحديد المواقف الذكية، تعد من النقاط البسيطة فعندما نتحدث عن رؤية هؤلاء التقنيون. تتجه معظم شركات التقنية مثل شركة (سمينس) إلى تقديم حلول تقنية متطورة، للكشف وإدارة البنية التحتية والفوقية. هذه التقنيات، تتجاوز فكرة التشغيل والإغلاق فقط (on/off) إلى تقديم تفاعل حقيقي حول أدق التفاصيل، وإستكشاف الأخطاء ومعالجتها ذاتياً. دون التدخل اليدوي أو البشري.

 

ثانياً : الإطار البيئي :

يشكل زيادة عدد سكان المدن في العالم، هاجس كبير للبيئيين، السياسيين والمخططين. فالتركيز السكاني لهذه المدن. له أضرار كبيرة جداً على البيئة المحيطة. نتيجة للإستهلاك العالي للمواد الطبيعية.

هذا الإستهلاك يعود في الأصل إلى الأساليب القديمة التي تشغل وتدير المدينة وخدماتها. لهذا السبب يسعى الكثير من المهتمين بالجانب البيئي، إلى الحد من هذا التصادم مع البيئة وتقليل الأضرار عبر تبني مفاهيم عديدة وأساليب جديدة، كانت هي محور النقاش العالمي في السنوات الأخيرة. في هذا الإطار المتخوف، ظهرت (التقنية) كحل يساهم في تقليل هذا التصادم، سواء من خلال إدارة النظم أو من خلال توفير البدائل المتوافقة مع البيئة. وهو ما دفع الكثير من العمرانيون إلى تبني المفهوم التقني في حماية البيئة ضمن تطبيقات مختلفة في المدن. كالأنظمة الذاتية في جمع وتدوير النفايات، أو تدوير المياه المستخدمة وإدارتها. أيضاً عمليات توليد الطاقة البديلة والنظيفة. وغيرها من الحلول التي تقلل إستهلاك الموارد الطبيعية من منظور تقني.

 

ثالثاً : الإطار الإجتماعي :

أصبحت المجتمعات اليوم. أكثر إتصالاً من ذي قبل. فالجميع يعتمد على الهواتف الذكية والإنترنت في تأدية أعمالهم المتفرقة وفي أماكن مختلفة، لا تتوجب التقييد بمكان واحد. هذه المرونة في الإتصالات أوجدت مفاهيم جديدة، حتى في بيئات العمل. فظهرت مسارات جديدة ومختلفة كالعمل عن بعد والإجتماعات الإفتراضية، والتي أختصر الكثير من الوقت والجهد. لكن ما هي علاقة التقنية بذلك وما هي علاقة العمران؟. يرتبط المجتمع بالمدينة كحيز فيزيائي يضم نشاطاتهم المختلفة، والأماكن العامة والأحياء السكنية ومناطق العمل تمثل (أوعية فيزيائية) للنشاط اليومي للمجتمع. ولذلك إرتباط هذه الأماكن بالتقنية الحديثة يعد أمراً هاماً في هذه الأيام. فنحن على سبيل المثال. نفضل المقاهي التي يتوفر بها خدمة إنترنت مجانية، حتى لو لم تكن جودة قهوتها رائعة. لكننا نفضل أن نبقى على إتصال أثناء تناولنا كوب القهوة. إما للقيام بأعمال أو حتى لمجرد التواصل. هذا الأمر أصبح اليوم ينطبق على المدن. فالساحة المفتوحة أو مضمار الجري، قد يكون فعال جداً في حال توفر خدمة إنترنت مجانية. الأمر الذي يساهم في زيادة مساحة التواصل بين المجتمع والمدينة نفسها.

 

رابعاً : الإطار الإقتصادي :

رغم أن النظرة تجاه التقنية عادة ما ترتبط بشعور سلبي، كونها (بديل) للإنسان. إلا أن قياس التقنية من إطار تشغيلي – إقتصادي. يؤكد على كفاءتها الإقتصادية،

أضعاف ما قد يمكن الحصول عليه من العقل البشري. هذه الكفاءة لا تعني القيام بالمهام وحسب ولكن تقلل نسبة الخطأ. وهنا تكمن أهمية التقنية ضمن الإطار الإقتصادي. على مستوى المدينة، يقلل إستخدام التقنية مثلاً من التكاليف الإقتصادية. فخاصية البحث عن المواقف الذكية توفر على بلد مثل ألمانيا (560) مليون ساعة سنوياً. أضف إلى ذلك كميات الوقود المستخدمة أثناء عملية البحث وما يترتب على ذلك من تلوث الهواء نتيجة للعوادم. كذلك الإنارة الخارجية وتسربات المياه وغيرها التي يمكن أن تكلف المدن والمجتمعات مبالغ طائلة.

 

خامساً : الإطار الأمني :

ساهمت التقنية بشكل كبير في توفير بيئة أمنية، فكمرات المراقبة الموزعة على نواحي المدينة، قللت من الشعور بعدم الأمان، إضافة إلى أنها حدت من إنتشار الجرائم وسرعت من إمكانية القبض على مرتكبوها. اليوم تواجه الدول والمدن العديد من الهجمات الإرهابية التي يمكن أن تروع من أمنها وسلامة مواطنيها. ولذلك يعول على التقنية ضمن تطبيقاتها العمرانية الإستعداد الجيد لمثل هذه المخاطر.

 

لا يزال موضوع (التقنية) في العمران، من المواضيع الحديثة والتي تتطلب إطلاع دائم ومتابعة لمجريات المجال نفسه. إلا أن المهم أيضاً هو معرفة كيف يمكن توظيفها بشكل متكامل يعود بالفائدة على البيئة والمجتمع. فمن السلبيات المتعلقة بالتقنية هو (الإقتناء) لمجرد (الإقتناء) وهذا أمر بالغ الخطورة، إذا ما تعلق بأرواح وسلامة المجتمع والبيئة التي يعيش بها. من المهم جداً أن نبدأ في إستيعاب هذه التقنية وتطبيقاتها ضمن إطار إحتياج البيئة العمرانية. هذا الأمر لن يكون بالوقوف

على المواضيع العامة والإطارات الخارجية للموضوع. ولكن يتطلب التعمق أكثر من خلال البحث العلمي والعمل التطبيقي. لقراءة هذه التقنيات ومدى فاعليتها على أرض الواقع.

 

للمزيد وكامل الموضوع والمصادر

يرجى الإطلاع على العدد السابع لمجلة (LAYOUT) للسنة الثانية - 2017

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي