الهوية والأثاث

 

اهتم الإنسان منذ العصور الأولى، بملء المساحة بقطع الأثاث، إذ أن الأثاث  يلعب دور حاسم وربما الجزء الأكثر أهمية في تكوين شخصية للمساحة. ومع ذلك، فإن هذا الإهتمام بدأ تدريجياً من الإطار الوظيفي، مروراً بالجمالي ومن ثم الإهتمام بالمقاسات المناسبة للإنسان، إلى أن تكونت القاعدة الثلاثية. هذا بالإضافة، إلى أن الأثاث أصبح فيما بعد ذو قيمة ثقافية، ويعكس رمزية للثقافات على مر التاريخ، حيث أصبح بمقدور الإنسان (المهتم) تمييز  قطع  الأثاث وربطها بتاريخ المجتمعات والحضارات وفق الحقب الزمنية المختلفة، وتتبع مساراتها التاريخية وجذورها، سواء كانت عربية أو أوربية وما إلى ذلك. تصميم الأثاث جزءاً من التجربة الإنسانية منذ بداية التاريخ ودور الأثاث في عملية تحويل الفراغ وخلق هوية للمساحة الداخلية أو الخارجية. بل وساهم أيضاً في إعطاء الفراغات روح تنتمي لطرز فنية محددة، كأن يكون كلاسيكياً أو حداثياً أو ما بعد الحداثة وغيرها من الإتجاهات التصميمة المختلفة، التي تساهم بالرفع من قيمة الفراغ نفسه ومدلولاته. فهنالك مقولة للمعماري (نورمان فوستر) (Furniture is like architecture in microcosm) إذ يجب أن يكون دور الأثاث داعم للنشاط البشري، طبعاً إلى جانب تحقيق الكفاءة، الراحة والجمال. ومع ذلك يظل الأمر نسبياً، حيث يختلف من شخص  لأخر في تقديره لجمال وقيمة قطع الأثاث، سواء من حيث أهميتها الزمنية أو من حيث خامات المواد والتصنيع أو حتى أسلوب التصميم. ولكي نوضح هذا التميز بين الهويات الناتجة عن تنوع الأثاث، يمكن لنا أن نختار نموذج لقطعة أثاث تعد الأكثر تكرراً في الكثير من الحقب والحضارات، مثل (الكرسي). فالكرسي كقطعة أثاث يمكن لنا أن نشبهه بمتحدث رسمي عن بقية قطع الأثاث الأخرى لكل حقبه، فهو مليء بالمدلولات التي يمكن أن تفسر أسلوب ذلك العصر في التصميم الداخلي. من أشهر هذه الكراسي لحقب مختلفة، كرسي (كليمسوس) في اليونان القديمة، والذي يعتمد على المنحنيات بشكل يختلف عن الكراسي الفرعونية، والتي تكون عادةً مذهبة وذات أشكال مربعه وضخمه. أيضاً هناك كرسي (لويس) ذو الزخارف الأنيقة والذي يمثل الأسلوب الفرنسي بشكل صريح. طبعاً إلى جانب كراسي أخرى ككرسي (لويس الخامس عشر) والسادس عشر.. وغيرهم، حيث كان يشتهر ملوك فرنسا بالبذخ في تصميم أثاثهم الملكي على يد كبار الفنانين والمصممين، كنوع من التميز الطبقي، والذي سرعان ما تحول إلى تجسيد لحقبة معينة. هناك أيضاً الكراسي الحديثة، والتي ظهرت مع التحولات في القرن العشرين، ككرسي (بانتون) للمصمم (فيرنير بانتون) في العام (1968م)، والكرسي الشهير (Grosfillex resin garden) للمصمم (Grosfillex) والذي تم تصميمه في عام (1983م), ومن ثم يأتي احدث الكراسي التي تم تصميها من قبل مصممي المفضل المصمم (كريم رشيد) هو كرسي (سياميس) في عام (2014م) والذي أحدث ضجة وشهرة واسعة, بالتأكيد يوجد العديد من مصممين الأثاث ولكن هنالك مصممين أثاث ذو بصمة في التاريخ، مثل المصمم (فيليب ستارك) والمصمم الفرنسي الأشهر في وقتنا الحالي (روشيه بوبوا) والتي تمتاز تصاميمه بالحيوية والرسمية ويعتمد بكثرة على الألوان, وتطول القائمة بأسماء المصممين، وعلى الرغم من ذلك، إلا أن جميع القطع الفريدة المصنوعة من مصممين ملهمون، أو حتى تلك التي تم تصنيعها كقطع تجارية، لا يمكن أن يظهر جمالها ما لم توجد في المكان المناسب, فليس بإمكان الأثاث إيجاد هوية واضحة، في ظل إفتقار المكان نفسه.. للهوية!

كلمات مفتاحية:

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

شاركنا تعلقيك
قد يعجبك أيضاً
Please reload

مجلتنا الإلكترونية
مجانية . شهرية . إلكترونية
تابعنا على تويتر
  • Twitter - Black Circle
  • Facebook - Black Circle
  • Instagram - Black Circle
  • Google+ - Black Circle
  • LinkedIn - Black Circle
  • YouTube - Black Circle
تابعنا على قنوات التواصل الإجتماعي